أنفاس: ما الذي دفعكِ إلى كتابة رمال متحركة: تاريخ إنساني للصحراء الكبرى (2025)؟
جوديث شيلي: لطالما وقعت الصحراء الكبرى، بوصفها مجالًا للدراسة، بين كل «المقاعد» الممكنة: فإذا كان يُنظر إلى شمال أفريقيا، على الأقل في العالم الأنغلوفوني، بوصفه ملحقًا هامشيًا بالشرق الأوسط، فإن الصحراء نفسها تُعد هامشية بالنسبة إلى شمال أفريقيا؛ وفي الوقت ذاته يتحدث الأفريقانيون عن أفريقيا جنوب الصحراء من دون إيلاء انتباه كبير لعملية الإقصاء التي ينطوي عليها هذا التقسيم. وقد كان لذلك أثر بالغ في الطريقة التي تُتخيَّل بها القارّة الأفريقية: قارة منقسمة إلى شطرين بفعل حاجز «طبيعي»، يكون فيه الشمال غير أفريقي بما يكفي، والجنوب «مقطوعًا» على نحو ما عن المتوسط، فيما يُنظر إلى السكان العرب أو الناطقين بالعربية، وهم نسبة ملحوظة، بوصفهم غرباء في أوطانهم. يعود قدر كبير من هذا التصور إلى منظورات إمبريالية أوروبية، لكنه لا يقتصر عليها: فالتقاليد ما قبل الاستعمارية في شمال وغرب أفريقيا لم تكن هي الأخرى تُحسن الظن بالصحراء. وهكذا فإن الهامشية المتصوَّرة للمنطقة تمتد قرونًا، إن لم تكن آلاف السنين، إلى حدّ أصبحت معه إحدى سماتها البنيوية، أو على الأقل المُنظِّمة.
كان هدفي في رمال متحركة محاولة قلب هذه الافتراضات رأسًا على عقب: أن نرى كيف قد تبدو الصحراء إذا اتخذناها نقطة انطلاق ونموذجًا قائمًا بذاته، لا انحرافًا أبديًا عن معايير وُضعت في أماكن أخرى. فالهامشية، في نهاية المطاف، علاقة. ولا يعني ذلك مساءلة الحدود الجغرافية فحسب، بل أيضًا الافتراضات الأساسية التي تُعطي أولوية للمكان على الحركة، وللاستقرار على التنقّل، وللسيادة الإقليمية على السيادة الشخصية، وللحدود على الروابط، وهو ما أعتقد أنه قد يُسهم كذلك في إضاءة جوانب من التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي في أماكن أخرى من القارّة. فالصحراء تغطي ما يقرب من ثلث أفريقيا، وسكانها شاركوا بفاعلية في تاريخها عبر قرون؛ ومن ثمّ فإن «أفريقيا» نفسها ستبدو مختلفة إذا ما أولينا إسهامات الصحراء ما تستحقه من اعتبار.
أنفاس: ما القضايا أو الأدبيات التي يتناولها الكتاب على وجه الخصوص؟
شيلي: عندما بدأتُ بحثي حول الصحراء في أواخر العقد الأول من الألفية، كان ثمة شعور بالحماسة في دراسات الصحراء. فقد أطلقت بلدان عديدة في شمال أفريقيا برامج متخصصة في الدراسات الصحراوية، بما في ذلك جامعات تقع داخل الصحراء نفسها؛ وفتحت كثير من مكتبات المخطوطات المحلية أبوابها للباحثين؛ وكان من السهل نسبيًا العمل مع العائلات العلمية على التحقيقات والترجمات؛ كما برز جيل جديد من الباحثين، من الصحراء وخارجها، حريص على القطيعة مع النماذج الاستعمارية التي ما تزال مهيمنة في تاريخ الصحراء، وممتلك لما يكفي من المواد لتحقيق ذلك. لم يكن الأمر اكتشافًا للمصادر المحلية، إذ كانت موجودة بطبيعة الحال، بقدر ما كان وعيًا مشتركًا بأن استخراج «الوقائع» منها لا يكفي، وأن الرؤية للتاريخ والمجتمع التي تنقلها هذه المصادر يجب أن تُؤخذ على محمل الجد. وعلى الرغم من الدلالات الثورية المحتملة لذلك، ولا أظن أن ثمة مناطق كثيرة في أفريقيا تزخر بمصادر مكتوبة غير استعمارية بهذا القدر، فإن كثيرًا من المنشورات الناتجة مرّ ببساطة من دون التفات في التيار الأكاديمي السائد. ومنذ ذلك الحين، ساءت الأوضاع السياسية في أجزاء واسعة من الصحراء، ما جعل إنجاز البحوث التعاونية، أو حتى توفر الطمأنينة الذهنية اللازمة للتقدم، أكثر صعوبة. لذلك رأيتُ أنه قد يكون من المفيد التراجع خطوة وكتابة خلاصة موجّهة إلى جمهور أوسع، تجمع بين نتائجي ونتائج زملائي، في صيغة آمل أن تكون أكثر إتاحة حتى لقرّاء لا يملكون اهتمامًا سابقًا خاصًا بالمنطقة.
أنفاس: كيف يتصل هذا العمل بأبحاثك وكتاباتك السابقة، وأين يختلف عنها؟
شيلي: يتمثل الفارق الرئيس عن منشوراتي السابقة في أن رمال متحركة موجَّه إلى جمهور غير أكاديمي، ويتبنّى منظورًا إقليميًا واسعًا. وبعد سنوات من النشر في أوعية أكاديمية، كان التخلي عن الحواشي ومعظم الإحالات، وإطلاق أحكام جريئة، و«إدراج السرد»، كما كان يطالبني المحرر دائمًا، أمرًا مقلقًا بعض الشيء (لكن كيف يمكن فعل ذلك عند الكتابة عن جيولوجيا الصحراء؟). عملتُ في المنطقة منذ أواخر العقد الأول من الألفية، وأمضيتُ سنوات في جنوب الجزائر وشمال مالي وشمال تشاد، ونشرتُ كتابين أكاديميين سابقين: أحدهما عن الحدود بين الجزائر ومالي، والآخر، بالاشتراك مع جوليان براشيه، عن شمال تشاد. وقد حاولتُ هنا دمج دراستيّ الحالتين ضمن إطار تفسيري شامل مُستمد من المادة الصحراوية نفسها، لا من نموذج خارجي لما «ينبغي» أن يكون عليه شكل الصحراء. وكما هو الحال في كل محاولة للتعميم والمقارنة، كان ذلك محفوفًا بالصعوبات، إذ إن إحدى حججي الأساسية في الكتاب هي أن الصحراء شديدة التنوع داخليًا، وأن الخطيئة الأصلية للاستشراق كانت اختزال هذا التنوع في صورة نمطية، غير أنه كان تمرينًا مفيدًا، لأنه أجبرني على التفكير بعمق في العلاقة الجدلية بين القيود البيئية والأذواق الثقافية، وبين التفكك الشديد والاتصال الإقليمي، وبين الفرضيات التفسيرية الخارجية والوعي الداخلي بالاختلاف الثقافي والسياسي. وبعبارة أخرى، في كيفية التوفيق بين حقيقة أن حتى أكثر الأحداث محليةً منقوشة ضمن تاريخ وجغرافيا أوسع (ومحمّلتين بالسلطة)، وبين القول الصحيح أيضًا إن حيوات البشر، حتى في بيئة قصوى ومقيِّدة كالصحراء، هي نتاج اختيارات (جماعية)، وكان يمكن لها دائمًا أن تكون على نحو آخر.
أنفاس: من تأملين أن يقرأ رمال متحركة، وما الأثر الذي تودّين أن يُحدثه؟
شيلي: كما ذكرتُ أعلاه، آمل أن يهمّ رمال متحركة قرّاءً يتجاوزون الدائرة الضيقة للمنشورات الأكاديمية، ممن قد لا يكون لديهم اهتمام سابق بالصحراء، أو حتى بتاريخ أفريقيا. ومن الصعب الجزم بمدى تحقق ذلك، لكنني تلقيتُ عددًا من الرسائل اللطيفة من قرّاء غير متوقَّعين. وهناك أيضًا نسخة صوتية تُسهم في جعل الكتاب أكثر إتاحة. غير أن الجانب السلبي الوحيد هو خشيتي من أن قلة من أبناء المنطقة نفسها سيقرأون الكتاب. ويعود ذلك جزئيًا إلى اللغة، فقليلون من المقيمين في الصحراء يقرأون الإنجليزية للمتعة، ومع أن ترجمة فرنسية قيد الإعداد، فإنني لم أجد حتى الآن ناشرًا باللغة العربية يتبنى المشروع. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد: فالكتاب يسعى إلى تفكيك أساطير راسخة عن «الصحراء بوصفها مكانًا فارغًا» أو «الصحراء بوصفها حاجزًا»، وهو فهم قائم في جوهره على معرفة علّمني إياها أهل المنطقة بسخاء وصبر على مرّ السنين. وهم، بطبيعة الحال، لا يحتاجون إلى قراءة كتاب ليعرفوا أن الصحراء بعيدة كل البعد عن أن تكون فارغة أو سلبية أو معزولة أو متقادمة… فهم يعرفون ذلك (وأكثر) بالفعل. وإزاء الجمهور الصحراوي، سأظل دائمًا في موقع التلميذ؛ غير أنني آمل، مع ذلك، أن تكون بعض الأبحاث التاريخية والمقارنة الواردة في الكتاب ذات اهتمام لقرّاء الصحراء أيضًا.
أنفاس: ما المشاريع الأخرى التي تعملين عليها حاليًا؟
شيلي: يتناول أحد فصول الكتاب التاريخ السياسي للصحراء والتطورات المعاصرة، في محاولة للعثور على لغة تحليلية تتجنب مطبّات خطاب «الانهيارات» و«الإخفاقات». أي ليس من قبيل: لماذا فشل الجيش المالي في احتواء التمرّد في شمال البلاد، أو كيف تتصرّف الدولة التشادية بطرق لا ينبغي لها أن تتصرّف بها؛ بل بالأحرى: كيف يُنشأ النظام السياسي على الأرض، ومن يقوم بذلك، وما نوع الاقتصاد الأخلاقي السياسي الذي يحكمه، وماذا تعني «الدولة» من منظور محلي، وكيف يستند الفاعلون السياسيون إلى نسختهم الخاصة من التاريخ للتفاوض حول الشرعية. هذه أسئلة أشعر بأن العلوم الاجتماعية المعاصرة غير مُجهَّزة على نحو كافٍ للإجابة عنها، لأن النماذج المعيارية للتنظيم السياسي إما مستمدة من نماذج أوروبية نموذجية مستحيلة (الدولة «الويستفالية» الشهيرة)، أو أنها في جوهرها تنطوي على نظرة تحقيرية.
وأودّ الآن أن أتابع هذا المسار الفكري على نحو أعمق. فهناك تقليد راسخ للسياسات «المجلسية» أو «الهيئات التداولية» يمتد عبر التاريخ السياسي لشمال غرب أفريقيا، ويظهر بوضوح في لحظات الأزمات، كما في ليبيا ما بعد القذافي مثلًا. وقد أنتجت كثير من هذه المجالس أرشيفات مكتوبة تعود إلى ما قبل الغزو الاستعماري، ولا يزال بعضها قائمًا إلى اليوم. وهدفي هو استكشاف إلى أي مدى يمكن أن يوفّر هذا «النموذج المجلسي» مدخلًا إلى التاريخ السياسي الإقليمي، وفي الوقت نفسه أن يساعدنا على الخروج من القالب الضيّق لما لا يزال يُعد «معياريًا»، أو بعبارة أخرى، تبني نظرية سياسية أورومركزية قحة.
من كتاب رمال متحركة: تاريخ إنساني للصحراء الكبرى (2025)
تهدأ حرارة النهار أخيرًا، وتستأنف الأحاديث زخمها بينما تنطلق شاحنتنا الصغيرة مسرعة على الطريق المستقيم الطويل الوحيد. ندخل تالمين فيما تغرب الشمس خلف كثبان تمتد إلى ما لا نهاية. يكاد القصر لا يُرى في ضوء المساء، إذ تمتزج مبانيه المتداعية من الطوب اللَّبِن بالكثبان المحيطة التي تستعيد تدريجيًا هذا المعقل الهش للحياة البشرية. لم يعد أحد يقيم هنا؛ فقد انتقل جميع سكان القصر السابقين إلى القرية الحديثة التي رأيناها على الطريق الرئيسي قبل أن ننعطف إلى المسلك الرملي المؤدي إلى هذا المكان. هناك، تتوفر المياه الجارية ومدرسة ابتدائية، والأهم من ذلك كله: الطريق ذاته. يعودون بين حين وآخر لزيارة بيوتهم القديمة، فينقّبونها من تحت الرمال المتراكمة في الداخل، والتي تسدّ المداخل وتوحي بأن القصر القديم بُني لأناس أصغر حجمًا وأكثر خفة منا. في اليوم التالي، سيأخذنا مضيفنا عبد الملك إلى بيت عائلته، المشيَّد من اللَّبِن منذ سنوات طويلة. ولا يزال يضم مجموعة مخطوطات جده، ومعظمها رسائل وعقود ووثائق إدارية أخرى، كُتبت بعناية بحبر محلي الصنع على لفائف صغيرة، لُفّت بإحكام وخُزنت في سلال منسوجة عُلّقت في العوارض التي تحمل السقف المنخفض.
أما الآن، فنحن نتجه إلى مركز القصر. المكان يعجّ بالناس، ربما نحو مئتي رجل، جميعهم بعمائم وجلابيب بيضاء، في أجواء من ترقّب هادئ وحماسة مكتومة. هنا وهناك تبدأ مجموعات من الرجال بالهمهمة ثم تتوقف. وعندما يبدأ الأمر أخيرًا، يبدو أن الأهليل ينبثق من العدم. قبل لحظات كان هناك حديث جانبي، وضجيج، وتحيّات، وحركة؛ ثم فجأة ينخرط الجميع في إنشاد واحد، مدًّا وجزرًا، مع بضعة طبول تضبط الإيقاع، وناي يظهر بين حين وآخر، وتصفيق إيقاعي بالأيدي. يحلّ الظلام الدامس الآن، لا قمر ولا كهرباء، فقط نجوم ووميض سجائر مشتعلة. تتشكّل تعدديات صوتية ثم تختفي. أتعرف إلى كلمات وعبارات سمعتها في أماكن أخرى: ابتهالات دينية بالعربية، كلمات مكرّرة. وأخرى تظل غامضة تمامًا بالنسبة إليّ.
يمضي الليل. لا يبدو أن الإنشاد يتوقف. عندما ينسحب بعضهم من حلقة المنشدين لأخذ قسط من الراحة، يحلّ آخرون محلهم بسلاسة. وقد ارتدى معظمهم برانيس صوفية بنية فوق قنادرهم البيضاء، بقبعات مدببة تقيهم بردًا يتسلل تدريجيًا. لا نساء في الأفق بعد، مع أنهن في أماكن أخرى يشاركن بانتظام، بل ولديهن نسختهن الخاصة من الأهليل، وتُسمّى «تاڭرابت». قرابة الثالثة فجرًا، يظهر وعاء طعام—حريرة، حساء كثيف من الحمص والعدس. ثمة رائحة خفيفة للماريجوانا. يعيرني أحدهم برنوساً أيضاً، ولا يبدو أن أحدًا يلاحظ حضوري أو، بالأحرى، يُبدي اهتمامًا به. أغفو أخيرًا، متكوّرة إلى جوار جدار من اللَّبِن على كومة من الرمل، باردة حدّ القسوة. وعندما أستيقظ في الصباح الباكر، أرى أول خيوط الشمس ترسم ملامح الكثبان شرق القصر. لا يزال الإنشاد قائمًا، أخفّ قليلًا لكنه بلا انقطاع. ومع شروق الشمس، ينهض الرجال واحدًا تلو الآخر، يصلّون، يهزّون برانيسهم، يتبادلون الشكر ويحمدون الله، ثم يتفرقون. وبحلول الظهيرة، تغدو تالمين مهجورة من جديد.
في عام 2008، أُدرج «أهليل الڭورارا» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو بوصفه «نوعًا موسيقيًا وشعريًا أمازيغيًا». وكان قد برز في الجزائر بوصفه «تقليدًا أمازيغيًا» في أواخر سبعينيات القرن العشرين، حين سافر مؤلفون أمازيغ ناطقون من الشمال إلى الجنوب، وأُعجبوا بجماله الشعري وغناه. وقد كتب مولود معمري، الناشط الأمازيغي البارز، أول نسخة منشورة من نصوصه عام 1984. في ذلك الوقت، كان ناشطو الحركة الأمازيغية يخوضون صراعًا مع دعاة التعريب الشامل، الذين كان يُنظر إليهم، عن حق أو عن غير حق، بوصفهم مرتبطين بالإسلام. وكان هدفهم استعادة مكان للغتهم وأدبهم في الجزائر المستقلة، وإثبات أن لهما جذورًا أعمق من أسلمة البلاد وما صاحبها من تعريب. ووفق هذه القراءة، عُدّت «الأسلمة» عملية خارجية فرضت دينًا ولغة غريبين على علاقات ثقافية واجتماعية سابقة، يمكن، بشيء من «الترميم»، إنقاذها. لذلك قدّم معمري الأهليل بوصفه سابقًا على الإسلام وخارجًا عنه، وهو فهم ينعكس بوضوح في وصف اليونسكو. غير أن الأنثروبولوجي رشيد بليل يشير إلى أن الأهليل، بالنسبة إلى مؤدّيه أنفسهم، هو قبل كل شيء واجب ديني وتجربة روحية.
لكلتا القراءتين مكانتهما في السياسة والتاريخ الوطنيين الجزائريين، غير أن ما يجعل الأهليل يتجاوزهما هو جماله الخالص. ولا يمكن إدراك ذلك إلا بسماعه، إذ يكفي بحث بسيط على الإنترنت للعثور على تسجيلات، حينها فقط يبدأ المستمع في فهم كيف ولماذا لا يمكن احتواء هذه الممارسة وغيرها بسهولة. فالتصنيفات المطروحة في النقاشات المشار إليها أعلاه («أمازيغي»، «عربي»، «محلي»، «وافد»، «دين»، «فن») تنطوي على وعد بالبساطة لا تستطيع الوفاء به. فالوقائع التي تشير إليها متشابكة إلى حدّ أن تفكيكها سيقود إلى تدمير ما تزعم وصفه، وما نسعى نحن إلى فهمه.
ومثل الأهليل، لم يكن الإسلام في الصحراء يومًا طبقة مصطنعة فُرضت على الوقائع المحلية. لقد شارك، ولا يزال، في كل جوانب المجتمعات والثقافة المحلية. وفي الوقت ذاته، يستمد الإسلام، شأنه شأن سائر الديانات السماوية، جاذبيته الروحية وادعاءه للحقيقة المطلقة من طابعه الكوني. إن محاولة فهم الإسلام في منطقة مثل الصحراء—حيث يحتل موقعًا مركزيًا في معظم جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية، والتي رغم ذلك ظلت طويلًا هامشية بالنسبة إلى مراكز التعلّم الإسلامي وبناء الدولة—تتطلب توازنًا دقيقًا بين هذين القطبين: المحلي والتاريخي الخاص من جهة، والكوني من جهة أخرى، بين المتعدد والواحد. كما تتطلب تقشير الطبقات الكثيرة من الصور النمطية التي استُخدمت لوصف إسلام الصحراء، أو حتى «الإسلام الأفريقي»، إلى حدّ أن هذه الصور أصبحت، في بعض المواضع، جزءًا من الظاهرة نفسها.
…
في 22 أغسطس 2016، مثل أحمد الفقي المهدي، عضو التنظيم الإسلامي المالي الشمالي «أنصار الدين»، أمام المحكمة الجنائية الدولية في بروكسل، متهمًا بارتكاب جرائم حرب من قبل الحكومة المالية. وُجهت إليه تهمة قيادة تدمير تسعة أضرحة وأجزاء من مسجد سيدي يحيى في تمبكتو، كان أحدها مُدرجًا ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو. وحُكم عليه بالسجن تسع سنوات، وبغرامة قدرها 2.7 مليون يورو تعويضًا لضحاياه، من دون أن يحدّد الحكم هوية هؤلاء الضحايا. وبحلول عام 2015، كانت الأضرحة قد أُعيد بناؤها بتمويل من اليونسكو، وأُقيمت مراسم لتسليم مفاتيحها إلى «مالكيها التقليديين».
أضحى التدمير المادي للزوايا علامة مميّزة للحركات الإسلامية الراديكالية في عموم المنطقة (وخارجها أيضًا: فأفغانستان، بوصفها منطقة حدودية، تشترك في تقليد زوايا مماثل وفي جاذبيتها للمجاهدين المحتملين). وفي الإعلام الغربي، غالبًا ما تُصوَّر هذه الأحداث على أنها اعتداءات ينفذها أجانب متطرفون يحملون المتفجرات ضد تراث محلي يُنظر إليه بوصفه ممثلًا لـ«الإسلام المعتدل». ويُقرأ تدمير المخطوطات في تمبكتو بالمنظار ذاته، وقد وضع ذلك، لدى كثيرين، «الإرهابيين الإسلاميين» خارج أي تفاعل متحضر، أكثر حتى من عاداتهم الأخرى البغيضة، من قبيل ترويع المدنيين وقتلهم. وقد جرى الاستشهاد بهذه الهجمات بوصفها دليلًا لا يقبل الجدل على جهل الإسلاميين وعدائهم للتعلّم والمعرفة، بل وحتى لـ«الإسلام» ذاته.
قد تكون هذه القراءة صحيحة جزئيًا، لكن، كما جرت العادة، كانت الأمور أكثر تعقيدًا. فأحمد الفقي المهدي لم يكن «أجنبيًا» جاهلًا بالتقاليد المحلية، بل كان ابن البيئة. فقد نشأ في ضواحي تمبكتو، حيث أُجبر كثير من الرعاة الرحّل على الاستقرار خلال موجات الجفاف في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. وكانت هذه الضواحي غالبًا لا تعدو كونها أحياء صفيح مؤقتة، والتي لا يزال سكانها مُستبعدون اجتماعيًا واقتصاديًا من قلب المدينة. وبالرغم من ذلك فقد فجّر أضرحة أولياء استمدّوا، شأنهم شأن معظم أولياء الصحراء، مكانتهم من أصولهم الأجنبية ومن انخراطهم في جغرافيا دينية بعيدة كل البعد من ان تكون محلية؛ بل أقرب إلى كونها من أرقى مراكز التعلّم في العالم الإسلامي. الكثير من هذه المراكز باتت مستحيلة الولوج من طرف الماليين العاديين. وكان سيدي يحيى نفسه يُنسب، بحسب الروايات، إلى الأندلس.
يمكننا أن نستنتج أن الهدف الحقيقي لغضب أحمد الفقي لم يكن الأضرحة ذاتها، بل أحفاد الأولياء المعاصرين. فبعد قرون على وفاة الأولياء، لا يزال هؤلاء في صميم نخبة تمبكتو الراهنة. فالأضرحة، شأنها شأن الزوايا، ليست مجرد معالم للموتى، بل عُقد فاعلة في شبكات واسعة من السلطة والثروة. وهي لا تمثّل نمطًا بعينه من التدين—والذي، كما رأينا، يختلف من زاوية إلى أخرى وعبر الزمن—فحسب، بل تمثّل أيضًا نظامًا اجتماعيًا-اقتصاديًا وسياسيًا لا يستطيع أمثال أحمد الفقي فيه سوى احتلال موقع أدنى. إن الإصلاحية الإسلامية التي تلهم عادةً الهجمات على الأضرحة تقول إن بإمكان الجميع، بغض النظر عن الأصل أو العرق أو الطبقة أو المكانة، الوصول المباشر إلى المعرفة الإسلامية دون وساطة النخب المحلية. ومن ثمّ، لم يكن الصراع هنا بين أفكار كونية «شريرة» ووقائع محلية «ودودة»، بل بين أنماط مختلفة من الكونية، وبين وقائع محلية اجتماعية-اقتصادية قاسية طالما جرى تبريرها.
وعلى الرغم من راديكالية وسائل أحمد الفقي، فإنه لم يكن معزولًا في عدائه. فكثير من الصحراويين وشمال الأفريقيين اليوم يرون في الزوايا رمزًا لا لـ«الخرافة» فحسب، بل لماضٍ «إقطاعي» متحيّز هرميًا، آن الأوان لتجاوزه. وتزداد هذه النظرة سوءًا بفعل محاولات راهنة تقوم بها حكومات شمال أفريقيا وكثير من حكومات غرب أفريقيا لتسخير تقليد الزوايا لخدمة أغراضها الخاصة (وغالبًا ما تكون محافظة واستبدادية بعمق)، مثل استخدامها لحشد الأصوات في الحملات الانتخابية. وفي المقابل، تُقدَّم وعود بالتمويل وبإعادة أراضٍ كانت قد أُمِّمت سابقًا. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الزوايا راكمت، عبر الزمن، قدرًا كبيرًا من السلطة بوصفها مالكة للأراضي، وفي حالات كثيرة بوصفها مالكة للعبيد، فإن لدى الناس العاديين أسبابًا وجيهة للقلق من هذا التقاطع الراهن للمصالح بين حكومات استبدادية وطُرُق صوفية مُعاد إحياؤها وزواياها.