المقدمة
شهدت العلاقات العربية الأفريقية تطورًا واضحًا عبر الأزمنة والعصور، فقامت هذه العلاقات على المنافع والمصالح المتبادلة لكلا الطرفين، فقد مثلت هذه العلاقات أهمية كبرى لكل طرف منهما، واختلفت هذه الأهمية حسب اختلاف العصور، ففي العصر الحديث زادت الروابط بين الجانبين بسبب وحدة الهدف والغاية، فقد ارتبط هذا الهدف بوجود الاستعمار الأوروبي في الأرض العربية والأفريقية، من هنا فقد وجب على الطرفين الاتحاد والترابط من أجل طرد المستعمر ومقاومة كل أشكال الاستعمار المقنَّع إذا حاول الرجوع مرة أخرى. وقد شهد القرن العشرون تحرر العديد من البلدان العربية والأفريقية، وبدأت هذه الدول التي تحررت في التكتل من أجل مساعدة باقي الدول التي كانت لاتزال ترزح تحت نير المستعمر، وكانت الصلة القديمة بين الشعوب العربية والأفريقية قد سهلت هذا التكتل، وجعلت من التلاقي العربي الأفريقي أمرًا ممكنًا، من هنا كان تاريخ العلاقات العربية الأفريقية المعاصرة يحتل جانبًا مهمًا من التاريخ الأفريقي بوجه خاص وتاريخ الإنسانية بوجه عام.
شهدت العلاقات المصرية الغانية بين عامي 1957 و1966 تجسيدًا للتعاون العربي الأفريقي، حيث لعبت مصر بقيادة عبد الناصر دورًا رائدًا في مواجهة الاستعمار. فبعد نجاحها في جلاء البريطانيين عام 1956، وكسر احتكار السلاح الغربي بصفقة الأسلحة التشيكية، ورفضها للأحلاف العسكرية، أسهمت مصر في تأسيس حركة عدم الانحياز وتأميم قناة السويس. ومن هذا المنطلق، تبنّت مصر سياسة تحرير الشعوب المستعمَرة، خصوصًا في أفريقيا، فدعمت استقلال دول الجنوب لتأمين مياه النيل، وسعت لتحرير شمال القارة، ثم اتجهت نحو الغرب رغم صعوبة التحرك فيه. ومع استقلال غانا عام 1957، بدأت مصر في بناء علاقات قوية معها ضمن جهودها لتحرير أفريقيا من الاستعمار رغم التحديات.
حصلت غانا على استقلالها في 6 مارس 1957 كأول دولة أفريقية جنوب الصحراء تحصل على استقلالها، لكن استقلالها كان شكليًا، إذ ظلت مرتبطة سياسيًا واقتصاديًا بالدول الغربية، خاصة بريطانيا والولايات المتحدة. من هنا سعت القيادة الغانية، بقيادة كوامي نكروما، إلى تحقيق استقلال حقيقي وتنمية شاملة، مما تطلب مواجهة النفوذ الغربي. ووجدت في مصر بقيادة عبد الناصر شريكًا مثاليًا، نظرًا للتشابه في التجربة الاستعمارية البريطانية والنضال الثوري. لذلك قررت غانا التعاون مع مصر لتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي، من خلال شراكة شاملة على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية.
ولذلك فقد كانت العلاقات المصرية الغانية في هذه الفترة ما كانت إلا حلقة من حلقات الصدام بين قوى الثورة في العالم الثالث والقوى الاستعمارية؛ حيث ظهر فيها بشكلٍ واضح مبدأ التحدي والاستجابة، فقد كانت مسيرة العلاقات عبارة عن حراك سياسي بين مصر وغانا من جهة والدول الاستعمارية من جهة أخرى، وضح فيه بشكل مباشر الفعل ورد الفعل ورد الفعل المضاد. وفي هذا السياق فنحن في هذه الورقة أردنا الحديث عن تفاعل الناصرية والنكرومية بشكلها البسيط دون الدخول في تعقيداتها الفلسفية والأيديولوجية، وذلك لأن هذه المفاهيم ظهرت بقوة بعد انتهاء حكم الزعيمين، سواء الإطاحة بحكم نكروما في غانا في فبراير 1966 أو وفاة عبد الناصر في سبتمبر 1970.
محددات العلاقات بين مصر وغانا
ترجع جذور العلاقة بين مصر وغانا إلى فترة الاستعمار البريطاني، حيث ظهرت أولى صور التعاون عام 1924 عندما ساعدت مصر، بطلب من السلطات البريطانية([1])، في إنقاذ ساحل الذهب من تفشي الطاعون البقري من خلال توفير الأمصال اللازمة([2])، مما عكس وجود روابط مبكرة بين البلدين، وإن تمت تحت إشراف استعماري([3]).
وجاء مؤتمر باندونج عام 1955 ليكون نقطة الانطلاق الحقيقية للعلاقات بين مصر وغانا، حيث حضرت مصر كمشارك رئيسي([4])، بينما حضرت ساحل الذهب كمراقب، وكان ذلك أول اعتراف دولي بدورها([5]). وقد ألهم المؤتمر الزعيم الغاني كوامي نكروما باتباع سياسة عدم الانحياز، واتخاذ زعماء المؤتمر مثل ناصر ونهرو وتيتو قدوة له([6]). ومن هنا بدأ وعي القيادتين المصرية والغانية بأهمية التعاون بينهما في المستقبل لتحقيق الاستقلال والتنمية([7]).
وكان من المحددات أيضًا الموقع الاستراتيجي لكلا البلدين؛ فموقع مصر في شمال شرقي القارة الأفريقية جعلها لاتستطيع أن تغُّض النظر عن ما يحدث في القارة الأفريقية، وهذا ماقاله الزعيم جمال عبدالناصر" أيمكن أن نتجاهل أن هناك قارة أفريقية شاء لنا القدر أن نكون فيها، وشاء أيضًا أن يكون فيها اليوم صراع مروع حول مستقبلها، وهو صراع سوف تكون آثاره لنا أوعلينا سواء أردنا أو لم نُرد، وليس عبثًا أن بلدنا يقع في شمال شرق أفريقيا، ويطل من أعلى على القارة السوداء التي يدور فيها اليوم أعنف صراع بين مستعمريها البيض وأهلها السود من أجل مواردها التي لاتُعد"([8]).
كان الموقع الجغرافي لغانا ذا أهمية استراتيجية كبيرة للقيادة المصرية، حيث تحدها مستعمرات فرنسية من الشرق والغرب والشمال، وتطل جنوبًا على المحيط الأطلنطي، مما جعلها موقعًا مناسبًا لمصر للضغط على فرنسا لتخفيف قبضتها الاستعمارية على الجزائر([9]). كما أن هذا الموقع جعل غانا نقطة صراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فبينما رأت واشنطن أنها امتداد لنفوذها بسبب استعمارها البريطاني السابق، سعى السوفييت لجعلها منطقة نفوذ لهم في أفريقيا. ومن هنا أدركت مصر أهمية التواجد في غانا، واعتبرتها بوابة استراتيجية لتعزيز دورها في غرب أفريقيا ومواجهة النفوذ الأمريكي هناك([10]).
كان للنخبة الثورية دور بارز في توجيه علاقات مصر الخارجية، خاصة بعد انتصار عبد الناصر في معركة السويس عام 1956، مما مكنه من تعزيز علاقاته بحركات التحرير الأفريقية التي رأته حليفًا قويًا([11]). تبنى عبد الناصر قضايا أفريقيا وواصل تحدي الاستعمار، موضحًا في كتابه "فلسفة الثورة" دور مصر في دعم حركات التحرير ماديًا ومعنويًا([12]). كما أنشأ دوائر خاصة للشؤون الأفريقية، مؤكدًا أن دوائر السياسة المصرية الثلاث مترابطة وتخدم بعضها، وأن لأفريقيا دورًا في حل مشكلات الشرق الأوسط([13]). وبعد استقلال غانا في مارس 1957، دعا الزعيم كوامي نكروما إلى تحرير كافة الشعوب الأفريقية، مؤكدًا أن دور الغانيين لا يقتصر على استقلالهم فقط، بل يشمل دعم نضال الآخرين. شدَّد على ضرورة إثبات قدرة الأفارقة على حكم أنفسهم وبناء دول مستقلة وموحدة([14]). كما فتح غانا لكل الأفارقة والسود في العالم، معلنًا أنها أصبحت وطنًا للرجل الأسود، حيث يمكنهم أن يشعروا بالحرية الحقيقية لأول مرة بعد العبودية([15]).
ومن هنا فقد نظر كلا القائدين لبعضهما البعض، حيث أن تجربة السويس هي التي لفتت أنظار نكروما إلى الرئيس عبد الناصر، أما استقلال غانا كأول دولة في أفريقيا جنوب الصحراء تنال استقلالها من ربقة الاستعمار البريطاني هو الذي لفت أنظار عبد الناصر إلى كوامي نكروما([16]). أما عن أهم عناصر التقابل الشخصي عند كلا الزعيمين فكان زواج نكروما من السيدة المصرية فتحية حليم رزق في ديسمبر 1957، الذي تم بعلم القيادة المصرية، حيث أرسل الرئيس عبد الناصر مبعوثه الخاص لحضور حفل الزواج والذي قلّد نكروما وشاح النيل وهذا ما أشار إليه الحاكم العام البريطاني باستثمار هذا الزواج لتعويض تأخر انطلاق العلاقات المصرية الغانية([17]). وكان هذا الزواج مفاجأة مدوية لقوى الاستعمار في أفريقيا، والتي شعرت بأن القيادة المصرية نجحت في الوجود الاستراتيجي في غانا بعد نيلها الاستقلال([18]).
وعلى ذلك فقد التقت كلتا القيادتين عند أرضية مشتركة تمثلت في وحدة الرؤى الأيديولوجية؛ مثل التوجه الاشتركي، والفكر الثوري، والبعد القومي؛ فقد اتفق الزعيمان ناصر ونكروما على أن الاشتراكية هي النمط الوحيد الذي يستطيع أن يحقق الحياة الطيبة للشعب في أقصر وقت ممكن، ذلك أن الاشتراكية تفترض الملكية العامة لوسائل الإنتاج – الأرض ومواردها – واستخدام وسائل الإنتاج تلك لما يعود بالنفع على الشعب([19]). أما الفكر الثوري فقد ظل عنصرًا داعمًا للعلاقات بين الدولتين، وقد أكد الطرفان أن الاتجاه الثوري في تحرير القارة الأفريقية هو الأساس لمواجهة الإمبريالية الاستعمارية في كل أرجاء القارة الأفريقية([20]). أما البعد القومي لكلا البلدين فقد كان عنصرًا مؤكدًا للعلاقات بين الدولتين، حيث بدأ عبد الناصر فور قيام ثورة يوليو 1952 في التأكيد على عروبة مصر وأن القومية العربية هي أساس التحرك المصري الإقليمي وهو الدائرة الأولى من دوائر الاهتمامات السياسية المصرية، ثم أوضح أن الدائرة الثانية هي الدائرة الأفريقية، وأن الدائرة الثالثة هي الدائرة الإسلامية. أما نكروما فقد كان يتحرك في إطار واحد فقط هو الإطار الأفريقي ، من هنا فقد كانت العلاقات المصرية الغانية نموذجًا حيًا لالتقاء القوميات العربية بالأفريقية، خاصة وأن الزعيمين وجدا في التقاء القوميتين وتفاعلهما عاملًا حاسمًا في مواجهة قوى الاستعمار الغربية([21]).
كما اشتركا أيضًا في رغبتهما في تحقيق مجموعة من الأهداف والغايات؛ كان أولها حصول دول القارة على الاستقلال، حيث أعلن جمال عبد الناصر في فلسفة الثورة عن أن مصر لن تقف ساكنة أمام السيطرة الاستعمارية في القارة الأفريقية، حيث قال [فإذا اتجهت بعد ذلك إلى الدائرة الثانية، وهي دائرة القارة الأفريقية، قلت دون استفاضة ودون اسهاب: أننا لن نستطيع بحال من الأحوال – حتى لو أردنا – أن نقف بمعزل عن الصراع الدامي المخيف الذي يدور اليوم في أعماق أفريقيا بين خمسة ملايين من البيض ومائتي مليون من الأفريقيين]([22]). أما نكروما فعند حصول بلاده على الاستقلال في 6 مارس 1957 فقد أكد أن ذلك جعل الشعوب الأفريقية تشعر بجو من الابتهاج يصل إلى حد الغبطة والسرور، كأول دولة سوداء في أفريقيا جنوب الصحراء([23])، وكان ذلك حافزًا لتلك الشعوب حتى تحصل على استقلالها. لقد كان فكره هو أن تتحد الدول والشعوب الأفريقية جميعًا حتى تحصل القارة كلها على استقلالها وتتقدم. حتى أنه أعلن أن هناك عوامل جمعت بين الدول الأفريقية المستقلة لكي تتحد وتتعامل جميعًا وتتعاون حتى تحقق الأهداف المرجوة، وهذه العوامل هي التي تحدد علاقة أفريقيا ببقية العالم. وهذه العوامل هي: رغبة الدول المستقلة في رؤية أفريقيا حرة ومستقلة، وتصميم الدول الأفريقية المستقلة لمتابعة السياسات الخارجية مستندة إلى مبدأ عدم الانحياز، وحاجة هذه الدول المُتعجّلة للتنمية الاقتصادية، والتحرر الاقتصادي([24]).
كما هدفت الدولتان إلى انتهاج سياسة عدم الانحياز والحياد الإيجابي، على اعتبار أن هذه السياسة هي المُثلى للدول الأفريقية المستقلة حديثًا، وتجعل الدول قادرة على التعبير بحرية في القضايا العالمية([25]). أما الهدف الثالث فقد كان وحدة أفريقيا، حيث سعت مصر إلى تحقيق وحدة أفريقيا لمواجهة الاستعمار الأوروبي وحل مشكلات القارة. في المقابل، كان كوامي نكروما في غانا يتبنى فكرًا وحدويًا قويًا، لدرجة أنه ضمّن في دستور بلاده مادة تتيح التنازل عن السيادة لصالح اتحاد أفريقي محتمل. تعاون نكروما مع جورج بادمور لتحقيق هذا الهدف، لكنهما اختلفا في الرؤية: بادمور دعا لاتحاد يقتصر على أفريقيا جنوب الصحراء، بينما نكروما دعا لوحدة تشمل القارة كلها دون تمييز([26]). أما مصر، فرأت أن الوحدة الأفريقية يجب ألا تنفصل عن الوحدة الآسيوية، خصوصًا في الأمم المتحدة، لأن قضايا القارتين متشابهة، مما يعزز قوتهما المشتركة ضد الإمبريالية الغربية([27]).
العلاقات السياسية بين الدولتين
سعت القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا، لمنع نشوء علاقات بين مصر وغانا بعد استقلالهما، خوفًا من وحدة القوى الثورية التي تهدد مصالحها في أفريقيا([28]). ففرضت عراقيل أمام الاتصال بين البلدين، وربطت غانا بعلاقات مباشرة مع الغرب، خاصة بريطانيا، والولايات المتحدة، وإسرائيل، مما جعلها منطقة نفوذ غربية([29]). في المقابل، ردت مصر بقيادة عبد الناصر بمحاولة كسر هذا الحصار، واستغلت وجود نخبة ثورية حاكمة في غانا لتأسيس علاقات قوية معها بهدف مواجهة الاستعمار([30]). ونجحت مصر في اختراق الحصار البريطاني، وساهمت تدريجيًا في إنهاء النفوذ البريطاني في غانا، رغم أن بريطانيا حاولت الإبقاء عليه تحت غطاء قانوني عبر الكومنولث([31]).
وقد تمكنت قيادتا مصر وغانا من التصدي للهجمة الاستعمارية التي أعقبت قيام الجمهورية العربية المتحدة في فبراير 1958، مما عزز العلاقات بين البلدين([32]). وقد تجلّى هذا في تبادل التمثيل الدبلوماسي بدرجة سفارة في نوفمبر 1957([33])، حيث أنشأت مصر سفارتها في أكرا وعيّنت السيد نبيه عبد الحميد أول سفير لها([34])، ووصل إلى غانا في فبراير 1958([35]). من جانبها، اعترفت غانا بالجمهورية العربية المتحدة ورئيسها جمال عبد الناصر، وقررت إرسال الدكتور جوزيف إيرزواه أرماه كأول سفير لها في القاهرة([36]).
وقد برزت قوة العلاقات بين مصر وغانا من خلال الزيارات المتبادلة بين القادة، وأهمها زيارة نكروما للقاهرة في يونيو 1958([37])، حيث اطلع على إنجازات مصر وبحث مع عبد الناصر القضايا الثنائية والإقليمية والدولية([38])، مما أكد وحدة المواقف بين البلدين([39]). أدت الزيارة إلى فتح باب التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية([40])،وقد اندهش نكروما نفسه بالترحيب الشعبي المصري به كزعيم أفريقي استطاع تحقيق الاستقلال لشعبه من ربقة الاستعمار البريطاني في الوقت الذي كان الشعب المصري خارجًا من معركة مع البريطانيين من معركة السويس في آواخر عام 1956([41]).
ومن أبرز الزيارات بين مصر وغانا أيضًا كانت زيارة الرئيس جمال عبد الناصر إلى أكرا بعد القمة الأفريقية أكتوبر 1965، حيث زار سد الفولتا، أحد أهم مشاريع التنمية في أفريقيا. في اليوم نفسه، أقام عبد الناصر حفل تكريم لنكروما وزوجته، ومنحه قلادة النيل، ومنح السيدة فتحية نكروما وسام الكمال من الطبقة الأولى. أكدت المباحثات بين الزعيمين تطابق المواقف في القضايا الثنائية والإقليمية والدولية. كما حظي عبد الناصر باستقبال شعبي كبير، خاصة في منطقة القبائل بمقاطعة السمبو وهو أحد فروع جماعات الأشانتي، حيث قُلد تاج الزعامة في أفريقيا وأُهدي مقعدًا خشبيًا تقليديًا. وقد عززت هذه الزيارة شعبيته كزعيم أفريقي يحظى باحترام شعوب القارة([42]).
ومن خلال هذه التفاعلات السياسية استطاعت الدولتان التصدي لكل محاولات بث الفرقة والوقيعة بينهما؛ فكما حاول الاستعمار منع إقامة العلاقات بين الدولتين حاول جاهدًا العمل على عدم استمرارها، سواء بالدعايات الاستعمارية الهادفة إلى إيجاد التنافس والصراع بين القادة في الدولتين، أو بالعمل الخفي من أجل زعزعة آفاق التعاون بينهما([43])، ولكن الدولتين قامتا بالوقوف أمام كل تلك المحاولات فاستحال على القوى الاستعمارية أن تتغلغل من أجل هدم العلاقات بينهما([44]).
وكانت العلاقات القوية بين مصر وغانا لم تكن على المستوى الثنائي فقط، وإنما كان على مستوى العمل المشترك من أجل تحرير القارة الأفريقية؛ وقد ظهر هذا العمل من خلال التنسيق الواضح بين البلدين داخل المنظمات والمؤتمرات الإقليمية والدولية؛ فعلى صعيد الوحدة الأفريقية فقد أسهمت الدولتان بكل قوة في مؤتمر الدول الأفريقية المستقلة بأكرا في أبريل 1958([45])، وأيضًا مؤتمر الشعوب الأفريقية بأكرا في ديسمبر 1958([46])، ومنها مؤتمر الدار البيضاء في يناير 1961([47])، ومؤتمرات القمة لمنظمة الوحدة الأفريقية في قمة أديس أبابا 1963 وقمة القاهرة في 1964 وقمة أكرا في 1965([48]). وقد ظهرت العلاقات القوية بين البلدين في إطار مؤتمرات عدم الانحياز واجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة([49]). حيث استطاعت الدولتان من خلال العلاقات القوية بينهما من أن تبرز قوة الثورة في العالم الثالث داخل المنظمات الدولية من أجل إقرار مبادئ التعايش السلمي في العالم كله، وتمكنت أيضًا من خلال التفاهم الواضح بينهما من التنسيق من أجل قضايا التحرر الأفريقي والعربي، هذه القضايا التي كانت نقاطًا فاصلة في الصراع مع الاستعمار([50]).
وقد آمن كلً من عبد الناصر ونكروما بالفكر الوحدوي وسعا لتطبيقه عمليًا. ففي فبراير عام 1958، أعلن عبد الناصر اتحاد مصر وسوريا تحت اسم "الجمهورية العربية المتحدة"، ما كان له تأثير على أفريقيا أيضًا نظرًا لموقع مصر الجغرافي. وفي نوفمبر من نفس العام، أعلن نكروما عن اتحاد غانا مع غينيا تحت اسم "اتحاد الدول الأفريقية المستقلة"، وفتح باب الانضمام لبقية الدول الأفريقية. وقد رحبت مصر بهذه الخطوة، لكن الصحف الغربية زعمت أن الاتحاد موجه ضد قيادة عبد الناصر في أفريقيا. ورد عبد الناصر مؤكدًا أن هدفه دعم استقلال أفريقيا ووحدة شعوبها، ورفض هذه الادعاءات التي اعتبرها محاولات استعمارية لزرع التفرقة ومنع التضامن بين القادة الأفارقة([51]). كما ساندت القيادة المصرية مشروع نكروما القاري لتأسيس حكومة الوحدة الأفريقية، والذي تمت مواجهته من قبل الاستعمار والنظم الممالئة له([52]).
وقد وضح أن الاستعمار البريطاني هو الذي مهد السبل من أجل التغلغل الإسرائيلي في غانا؛ وجعل إسرائيل مخلب قط للقوى الاستعمارية بداخلها من خلال التعاون السياسي القائم على المساعدات الاقتصادية والفنية لإظهار أنها تعمل من أجل مصلحة الدولة الناشئة، ولكن بتوالي السنين استطاعت مصر إظهار إسرائيل على حقيقتها أمام القيادة الغانية، بل والعمل على تراجع التعاون بين غانا وإسرائيل وذلك بداية من مؤتمر الدار البيضاء في يناير 1961 وحتى عام 1966([53]).
وقد أزعج نجاح مصر وغانا في كشف وإفشال المخططات الاستعمارية القوى الغربية، خاصة بعد أن ساهَمت علاقاتهما في إحباط مشاريع استعمارية في أفريقيا والعالم الثالث. وردًا على ذلك، دبرت القوى الاستعمارية انقلابًا على نكروما في 24 فبراير 1966، وساهمت في نكسة مصر في 5 يونيو 1967، بهدف تقويض دور عبد الناصر القيادي. وبذلك انهارت دعائم التضامن بين البلدين، مما مهّد لعودة النفوذ الاستعماري. وقد أُطلق على عام 1966–1967 "عام الانكسار" في العالم الثالث، تعبيرًا عن التراجع الكبير في حركات التحرر بعد إزاحة نكروما وإضعاف عبد الناصر([54]).
العلاقات الاقتصادية بين مصر وغانا
فقد ثبت أن قوى الاستعمار لم تكن لتسمح لتعاون على هذا الصعيد بين مصر وغانا؛ حيث أرادت بريطانيا عندما منحت غانا الاستقلال أن يكون استقلالًا إسميًا، تسيطر به بريطانيا والقوى الغربية على المقدرات الاقتصادية لدولة ناشئة مثل غانا، وإمعانًا من بريطانيا في منع أي تعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية والفنية بين غانا ومصر ذللت جميع الصعوبات في هذا المجال أمام إسرائيل، وبذلك وجدت القيادة المصرية أن عليها واجبًا وهو مواجهة الحصار الغربي المفروض على الدولة الأفريقية الحديثة([55]).
وقد وضح أيضًا رد الفعل المصري تجاه منع القوى الغربية لمصر من إقامة العلاقات الاقتصادية والتجارية والفنية مع غانا؛ وذلك أنها انتهزت فرصة رغبة الحكومة الغانية في التعاون مع مصر في هذه المجالات فتحركت بمنتهى القوة والسرعة للتلاقي معها، إذ بدأ التعاون التجاري بين الدولتين بشكل فعال يحقق المصلحة لكلا الطرفين، وبشكل ممنهج يعتمد على الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمت بينهما، حيث وقعت الاتفاقية التجارية الأولى بين الحكومة الغانية وحكومة الجمهورية العربية المتحدة في 13 يناير 1959([56])، وقد وقعت اتفاقية جديدة بين الحكومتين المصرية والغانية في 31 مايو 1961([57])، وقد ألحق به بروتوكولًا في 8 أبريل 1962([58])، كما تم توقيع بروتوكولًا آخرًا بين الجانبين في 18 مارس 1965([59])، كما تم توقيع بروتوكولًا تجاريًا آخرًا بين البلدين في 9 يناير 1966([60])، واستمر هذا التعاون التجاري بين البلدين في نسق تصاعدي مرتبط بتصاعد نهج الارتباط السياسي، وظهر ذلك أيضًا في المجال الاقتصادي والفني، إذ تعاونت مصر مع غانا في هذا المجال بشكل رائع محقق لآمال الطرفين في النهوض بالاقتصاد في غانا بشكل خاص وأفريقيا بشكل عام؛ حيث وقّع الطرفان اتفاقًا للتعاون الفني في 9 يناير 1966([61])، وظهر ذلك أيضًا في مجالات النقل والمواصلات والتعاون العسكري والأمني([62])، وأدى ذلك التعاون إلى أن قامت مصر بدور بارز في تحرير الاقتصاد الغاني وبالتالي تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي لغانا([63]).
وقد وضح ما قامت به الدولتان من أجل تحرير الاقتصاد الأفريقي؛ إذ قامت مصر وغانا من خلال العلاقات الاقتصادية الناجحة بينهما بالعمل المشترك من أجل محاربة الاستعمار الجديد في أفريقيا، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي لجميع الشعوب الأفريقية، وتحقيق التعاون الاقتصادي بين كل الدول الأفريقية المستقلة، وقامت الدولتان بالعمل على كشف أساليب الاستعمار الجديد في التغلغل والسيطرة الاقتصادية، وبالرغم من صعوبة هذه المهمة إلا أنه كان مفترضًا أن تكلل مجهودات الدولتين بالنجاح إلا أن انتكاسة الثورة في العالم الثالث قضت على كل الطموحات في تحرير الاقتصاد الأفريقي([64]).
وقد اتضح كيف أن العلاقات بين الدولتين أسهمت في إنشاء المشروعات التنموية القومية في أفريقيا بوجه عام وغانا بوجه خاص؛ إذ أن قضية تمويل مشروع السد العالي في مصر كانت السبب المباشر في تمويل مشروع سد الفولتا في غانا؛ حيث كان تمويل المشروعين عنصرًا من عناصر الضغط السياسي من الولايات المتحدة على كلا البلدين، ولكن كانت تجربة مصر في مسألة التمويل من عام 1955 – 1958 هي الباعث على أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتمويل مشروع سد نهر الفولتا في غانا خوفًا من تمويل الاتحاد السوفييتي للمشروع ويتغلغل في القارة الأفريقية بعدما تغلغل في منطقة الشرق الأوسط نتيجة تمويله مشروع السد العالي في مصر.وهذه كانت خطوة من خطوات تحقيق الاستقلال الفعلي في غانا([65]).
وقد اتضح أيضًا كيف استطاعت مصر إزالة النفوذ الإسرائيلي الاقتصادي في غانا؛ إذ أن بريطانيا – كما ذكرنا – فتحت مجال التواجد الاقتصادي والاستراتيجي في غانا لإسرائيل منذ حصولها على الاستقلال في مارس 1957، وبذلك استطاعت إسرائيل من خلال تعاونها التجاري والفني مع غانا من إيهام المسؤولين الغانيين بأنها تعمل لمصلحتهم، إلا أن المصريين قاموا بنشاط واضح في وقف كل سبل التواجد الإسرائيلي التجاري والفني في غانا، واستطاعوا تعويضهم عن هذا التعاون من خلال التواجد المصري في غانا وأيضًا فتح قنوات الاتصال مع السوفييت من أجل تعويض الخبرة الفنية الإسرائيلية، فكانت العلاقات التجارية بين مصر وغانا قد ارتبطت ارتباطًا عكسيًا بالعلاقات التجارية بين غانا وإسرائيل، وهكذا حققت القيادة المصرية نجاحًا كبيرًا في مجال المواجهات الاقتصادية بينها وبين القوى الاستعمارية على الأرض الغانية([66]). وقد اتضح أيضًا تراجع التعاون الفني والاقتصادي والتجاري بين الدولتين بسقوط حكم نكروما في غانا في فبراير 1966، مما أدى لتراجع الدور المصري في أفريقيا بشكل عام، وهكذا نجحت قوى الاستعمار في وقف العمل المشترك بين الدولتين من أجل مقاومته اقتصاديًا([67]).
العلاقات الثقافية بين مصر وغانا
واجه التواجد الثقافي المصري في غانا معوقات كبيرة من القوى الاستعمارية، خاصة بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل، التي سعت لمنع أي نفوذ مصري خوفًا من تهديد وجودها في غرب أفريقيا. رغم ذلك، نجحت مصر في اختراق هذا الحصار بإنشاء علاقات ثقافية قوية، مستفيدة من تقارب ثقافي وتاريخي بين الشعبين، مثل التشابه بين الممالك المصرية القديمة وممالك الآكان في غانا. وقد لاقى الدبلوماسيون والخبراء المصريون ترحيبًا شعبيًا واسعًا، مما ساعد في تعزيز الحضور الثقافي المصري، مدعومًا بتقدير مشترك للزعامات الوطنية في البلدين([68]).
وشكّلت شخصية جمال عبد الناصر نقطة تلاقي ثقافي بين الشعبين المصري والغاني، إذ رأى فيه الغانيون زعيمًا حقيقيًا وقف في وجه الاستعمار، خاصة بعد انتصاره في معركة السويس عام 1956. وقد اعتبرته شعوب كثيرة، ومنها الشعب الغاني، قائدًا ليس لمصر فقط بل للعالم الثالث بأكمله، لما له من تأثير فكري ونضالي. تجلت محبة الغانيين لعبد الناصر خلال زيارته لغانا في أكتوبر 1965، حيث استقبله الشعب بحفاوة كبيرة، وظهر نكروما فخورًا بمرافقته، خاصة خلال تكريمه بقلادة النيل، وزوجته بوسام الكمال. وكان تتويج عبد الناصر بتاج ملك أفريقيا من قبل ملك الأشانتي لحظة رمزية عظيمة لدى الغانيين، تعكس تقديرهم لزعامته([69]).
وقد شكّلت شخصية كوامي نكروما نقطة تلاقي ثقافي وشعبي بين مصر وغانا، حيث بدأ المصريون، بعد تأكيد عبد الناصر على الانتماء الأفريقي في فلسفة الثورة، يتابعون باهتمام أخبار القارة وزعمائها. وقد ربطوا بين انتصارهم على بريطانيا في معركة السويس عام 1956 واستقلال غانا عن الاستعمار البريطاني عام 1957، ما عزز احترامهم لنكروما كزعيم واجه الاستعمار مثل عبد الناصر. وعند إعلان زيارته للقاهرة في يونيو 1958، أطلق الإعلام المصري حملة دعائية كبرى أبرزت نضاله ضد العنصرية والاستعمار، وإيمانه بالاشتراكية واستقلاليته عن الغرب، مما جعله يحظى بترحيب شعبي واسع([70]). وزاد من محبة المصريين له زواجه من سيدة مصرية، مما عزز شعورهم بعمق الروابط بين الشعبين، وأثار حماسهم للتعاون مع غانا([71]).
وقد ظهرت قوة العلاقات الثقافية بين مصر وغانا، حيث تميزت بالنوايا الصادقة والتعاون المتبادل. فتحت غانا المجال للثقافة المصرية من خلال إنشاء المركز الثقافي المصري، واستقبال شخصيات مؤثرة([72])، كما ساهمت مصر في النهضة التعليمية الغانية بإرسال المدرسين وتقديم المنح والبعثات الدراسية([73])، وكان للأزهر دور بارز بتقديم منح للمسلمين وإرسال مبعوثين وتأسيس مدارس دينية تخدم أكثر من مليون مسلم([74]). وفي المقابل، لم تقتصر الجهود على مصر فقط، بل شاركت غانا بفاعلية، خاصة في حفظ التراث الأفريقي([75])، والمساهمة في إعادة كتابة تاريخه مع مصر([76]). كما نجح التعاون الإعلامي في التصدي للدعاية الغربية والصهيونية ضد عبد الناصر، ونقلت غانا بدورها صورة إيجابية عنها إلى الشعب المصري([77]). وقد لعبت مصر أيضًا دورًا كبيرًا في إنهاء الوجود الثقافي الإسرائيلي في غانا، حيث عملت السفارة المصرية على مراقبة ومكافحة الأنشطة الإسرائيلية، مما أدى إلى اختفائها بالكامل([78]). وكان النشاط الثقافي المصري في غانا قويًا وسريعًا لدرجة أزعجت الحكومة البريطانية، التي أقرت بصعوبة مجاراة هذا الزخم الثقافي المتصاعد([79]).
الخاتمة
أكدت الدراسة أن العلاقات بين مصر وغانا ما كانت لتنجح لولا وجود الزعيمين عبد الناصر ونكروما، حيث جمعتهما صداقة قوية ورؤية ثورية مشتركة لدعم التعايش السلمي وتحرير أفريقيا والعالم العربي. وأظهرت الدراسة عدم وجود أي تنافس بينهما، بل تعاون وتكامل، رغم محاولات الدعاية الغربية تصوير الأمر على أنه صراع على زعامة القارة، وهو ما ثبت زيفه بالوثائق.
كما أوضحت الدراسة أن مصر رأت في علاقتها مع غانا عنصرًا استراتيجيًا ضمن أمنها القومي، خاصة بعد نهر النيل، إذ ساعدتها على مواجهة النفوذ الإسرائيلي من الغرب، والحد من التغلغل الأمريكي والبريطاني في أفريقيا. كذلك، وفرت هذه العلاقة دعمًا دوليًا في الأمم المتحدة، ومصادر للمواد الخام اللازمة للتنمية الصناعية المصرية، مما جعل التعاون بين مصر وغانا أحد ركائز الأمن القومي المصري.