يزخر حقل الدراسات التي تهتم باليهود المغاربة والأمازيغ بجموع من الطلبة والباحثين وحملة الذاكرة يزعمون تبني مقاربات مناهضة للاستعمار في أعمالهم، تكريما لشبكات التضامن القائمة على الأرض والثقافة في أوساط المنتمين لهذه الجماعات وفيما بينها منذ فترة الحقبة الاستعمارية وخلال معركة الاستقلال وما بعدها. ومن هذا المنطلق، دأبنا نحن طلبة الدكتوراه على الاشتغال على مواضيع ذات الصلة في إطار الدراسات اليهودية المغربية والأمازيغية، كما ساهمنا في مشاريع عدة لصون التراث. كنا نتوقع، جراء مباشرة إسرائيل لعدوانها الأخير على غزة، أن يَهُبَّ زملائنا ويهتفوا جميعا بأصوات جهار بما يُفيد تنديدهم بالإبادة الجماعية التي ترعاها تلك الدولة، غير أن ما رأيناه كان على النقيض من ذلك: لقد واجهنا العزلة وتهم بافتقاد الدقة، وتحذيرات من مغبة توقيع عرائض تطالب بوقف النار، وكذا مطالب بأن تتخذ مؤسسات الدراسات اليهودية موقفا صريحا إزاء ما يجري. بل قيل لنا مرارا بأن الاستمرار في التزامنا بأنشطة التضامن مع فلسطين (وهو التزام ثابت ومعهود) من شأنه أن يقوض مسارنا المهني. كما ثم ادراج بيان[1] كنا قد صغناه ضمن حملات اتهمت الموقعين بالعداء لليهودية، بل أن بعض الحملات سعت للدفع نحو فصل الموقعين من مناصبهم الجامعية بالولايات المتحدة. ومع ذلك، تمكن جميع الموقعين من الاحتفاظ بمناصبهم، وفي ذلك تذكير بأن تزايد الأصوات الرافضة سيجعل من الصعب على السلطات تكميم أفواه المعارضة العادلة.
وفي ظل مناخ يسوده التواطؤ مع الإبادة الجماعية بالتزام الصمت، والتسخير الممنهج للخطاب المُطالب ب"الدقة والتفصيل" من أجل اخراس صدى المواقف الأخلاقية، قرَّرْنَا ترشيد ما ينتابنا من شعور بالإحباط لكتابة المقالة هذه بغرض ابراز العِبَر المُستقاة من إرث الحركات الثقافية اليهودية المغربية والأمازيغية، وهي عبر تعلمنا معنى التضامن الحقيقي المناهض للاستعمار وللصهيونية، وليس العكس. ومع ذلك، من المؤسف أن الكثير ممن هم في موقع مثالي (من طلبة وباحثين في تاريخ المغرب) ولهم من المؤهلات ما يفي بغرض إظهار أن الوضع الراهن لم يكن بالقدر المحتوم، لم يُقدِمُوا على الصدح بحقيقة الأمور في الفضاء العمومي بعد.
وبما أننا تربينا على استثمار السرديات التاريخية في سبيل التحرر، فإن هذه المقالة تسعى الى استكشاف التاريخ متعدد الأوجه لليهود المغاربة والأمازيغ، وتتبع مسار تعبيرات التضامن مع فلسطين بالمغرب، وذلك تحليل جذورها في مرحلة ما بعد الاستقلال وكذا رصد تحدياتها الراهنة. ومن خلال هذا المسعى، يمكن للقارئ أن يطلع على عمق الصلات التاريخية بين اليهود المغربة والمجتمعات الامازيغية (التي تتضمن أهالي يهود) والقضية الفلسطينية، ويستجلي الطرق التي بها يجري تقويض هذه الصلات في الوقت الحاضر. أما خلال مرحلة ما بعد الاستعمار، وبفعل هيمنة الخطاب القومي العربي، كان كل من الأمازيغ واليهود يعتبرون مجرد كيانات دونية وتابعة، مطموسة الهوية. إلا أن هذا التهميش أسس فضاء مشتركا للتضامن عبر الحفاظ على الهوية الثقافية، إذ سعت كل مجموعة الى صون التراث المشترك في مواجهة السياسات المركزية التي انتهجتها الدولة. وتُبين المقالة كيف تمُثِّل جهود المجموعتين في صون التراث والعمل الثقافي، خاصة فيما تعلق بالتضامن مع فلسطين، شكلا من المقاومة ضد السرديات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. وهكذا نستهل المقالة بشهادة شخصية من المؤلفة المشاركة الأولى، خاصة وأن المقالة بنفسها تجسيد لموقف تضامني لصاحبيها مع فلسطين. ننتقل بعد ذلك لمناقشة السياق التاريخي—كما يتجلى في مغرب ما بعد الاستقلال—الذي شهد قيام حركات تراثية يهودية وأمازيغية ونسلط الضوء على شخصيات محورية وكذا محطات نوعية كشفت عن تصورات لمغرب تعددي، متمسك بالتضامن مع فلسطين ومناهضة الاستعمار. نُبيِّن بعد ذلك كيف عملت جمعيات صهيونية، تشتغل في ميدان حفظ التراث، على طمس هذا الموروث من خلال توظيف خطاب ليبرالي يروج للتعددية بشكل مشوه يبتغي التفرقة والتباعد الثقافي. وفي هذا الإطار، ترصد المقالة صدى هذا الخطاب في عمليات قمع التضامن مع فلسطين في المجتمع المغربي، الذي أخدت دائرتها تتوسع خاصة منذ شهر أكتوبر من سنة 2023، وذلك من خلال ملاحقة النشطاء وحضر المسيرات والاضرابات المتضامنة مع فلسطين. نُدْلي على إثر ذلك بشهادة المؤلفة المشاركة الثانية التي تُضفي على المقالة بُعدا تأمليا آخر. فهي تميط اللثام عن فهم شباب جيل زد (Generation Z) للقضية الفلسطينية، والذي يُعد تأكيدا متجددا لهويته المغربية القائمة على التعددية ومُناهضة الاستعمار. ولئن كانت الرؤى بهذا الصدد لا تعبر بالضرورة عن جميع أفراد هذا الجيل، إلا أنها مع ذلك تمُثل تصورات شرائح عريضة طالها التهميش وبالتالي التغييب عن مشاريع حفظ التراث المدعومة رسميا. وغالبا ما يلجأ هؤلاء الشباب إلى منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن آراء بديلة، غير أنها سرعان ما تتعرض للتكميم والاقصاء من الفضاءات العامة المعهودة.
نستعرض في الأخير نماذج لأفراد وهيئات تعمل جاهدة على حفظ إرث التضامن اليهودي-الأمازيغي مع فلسطين، وذلك من خلال تحليل لبيانات صادرة عن ناشطين وأكاديميين ومجموعات مثل "حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، المغرب"، التي أسسها السياسي السابق والناشط اليساري المغربي "صيون أسيدون،" المنحدر من أصول يهودية وأمازيغية. كما نسلط الضوء على دور "جيل زد" في بلورة اتجاهات لمقاومة مبتكرة، تُغذيها الحركات الرقمية العابرة للحدود وإحياء أشكال التعبير الثقافي الأمازيغي الأصيلة. أما الخاتمة فتسعى لتجميع وتوليف كل هذه العناصر، مبرزة التناقض ما بين الموقف الرسمي للدولة المغربية وموقف عموم الشعب المغربي وكذلك التنافر الملحوظ في أوساط الأفراد والمنظمات التي كرست نفسها لحفظ التراث اليهودي والأمازيغي.
تأملات جيسي حول معاداة الصهيونية والتطبيع في المغرب
وأنا أتأهب للسفر إلى المغرب في بحر أكتوبر من سنة 2023، قضيت معظم أيامي، مثل الكثير من الناس عبر العالم، أتابع شبكات التواصل الإخبارية وباقي وسائل الإعلام عن كثب، ينتابني أمل مشوب بقلق أن يحول حدث ما أو شخص ما أو قوة ما دون تنفيذ دولة إسرائيل (ذات النزعة الإبادية) لما كانت تُلَوِّحُ به منذ زمن بعيد (سبق عُهدَة حكومة نتنياهو بسنوات).[2] كنت أُمنّي نفسي، وإن كان أملي واهن، أن يقوم الأفراد والمؤسسات الذين كرسوا مجهوداتهم لدراسة تاريخ اليهود وحفظ تراثهم بإصدار بيانات صريحة تُندد بالعنف، إلا أن الصمت المطبق كان هو سيد الموقف في معظم الحالات. لقد كان سقف توقعاتي، وللأسف، مُتَدَنيا، لأنني كنت قد تابعت على مدى سنوات كيف تم تسخير الذاكرة اليهودية في المغرب، في كثير من الأحيان، لتبرير أشكال كثيرة من التقارب والتطبيع مع دولة إسرائيل. أما المفارقة المحزنة في هذا السياق فهي أن أحد أبرز المدافعين عن حفظ التراث اليهودي في المغرب، الأستاذ الراحل شمعون ليفي، العضو السابق في حزب التقدم والاشتراكية (PPS)، كان من أبرز المؤيدين للتضامن مع الشعب الفلسطيني، كما كان من المناضلين المخلصين من أجل استقلال المغرب عن الاستعمار.
ومنذ أكتوبر2023، لم ألحظ أيّ مؤسسة تُعنى بالتراث اليهودي في المغرب تُصدر دعوة علنية إلى وقف إطلاق النار، ناهيك عن أن تُعبّر عن موقفٍ واضح من أعمال العنف الابادي الذي تمارسه دولة اسرائيل. بل على العكس، تتجنّب العديد من هذه المؤسسات الخوض في أيّ موضوع تعتبره سياسيًا،[3] مُتذرعةً بأنّ عملها يقتصر على الجوانب الثقافية أو التراثية، وكأنّ الذاكرة يمكن فصلها تمامًا عن القيم الإنسانية. وإذا ما استثنينا بعض الأفراد—وأكثرهم يقيم خارج المغرب—لا وجود لصوت يهودي مغربي موحد داخل المغرب يجرؤ على الاعراب عن رفضه الصريح للجرائم التي تُقتَرَف ضد الإنسانية بأسمائنا | وبأسمائهم. لطالما كنت صريحة في موقفي المناهض للصهيونية. بيد أنه في أعقاب أحداث أكتوبر 2023، لجأت عدة منظمات وممثليها إما إلى قطع التواصل معي تماما، أو فرض شروط جديدة للتواصل والتفاعل معي، كان أبرزها اشتراط "عدم الخوض في السياسة." وتكمن المفارقة العجيبة في أن الكثير من المفاوضين ليس يهودا، بينما أنا يهودية. ومع ذلك، فهم من خلال تفاعلهم المشروط هذا يتركون الانطباع أن مهمة تمثيل اليهود وباليهودية والعناية بهما من صلاحيات دولة إسرائيل والصهيونية فقط.
إن هذه "الصهيونية المفروضة،" [4] التي باتت تطبع الكثير من أعمال الحفاظ على التراث اليهودي في المغرب اليوم، تُسيء إلى التاريخ من وجهين: فهي تمحو الإرث الغني لمعارضة يهود المغرب للصهيونية، وتتجاهل الدور الأساسي الذي لعبته التنظيمات اليسارية المناهضة للصهيونية نفسها في تدشين حركة الترميم واسعة النطاق للمواقع اليهودية في البلاد.
فبعد الاستقلال، قام العديد من المنخرطين في النضالات اليسارية المناهضة للاستعمار بتشجيع البحث التاريخي والأدبي في التعدد المغربي، باعتباره جزءًا جوهريًا من مشروع بناء الدولة الوطنية.[5] وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، دعا العديد من رموز اليسار المغربي علنًا إلى مباشرة عمليات ترميم المواقع الثقافية والانخراط في هذا الاستكشاف لتاريخهم.[6] وقد جسّدت كتابات وأعمال حزب التقدم والاشتراكية في تلك الفترة هذا التوجه بشكل واضح—وهي إرثٌ يبدو أن الحوارات المشروطة الراهنة قد نسيته أو تناسته. ومن خلال كتابات وممارسات الحزب التقدمي الاشتراكي في تلك المرحلة تتجلى للقارئ علاقة تكاملية متفردة، قرنت التضامن مع القضية الفلسطينية بالدفاع عن التعددية المغربية بكل روافدها، لا سيما المكونين الأمازيغي واليهودي. وبهذا الصدد، تصدى رواد بارزون في الحزب، أمثال محمد فرحات وشمعون ليفي، للنزعات القومية العربية الإقصائية، مؤكدين على أن النضال المناهض للاستعمار في المغرب—وفي دول الجنوب، عموما—لا ينفصل عن حماية التعددية اللغوية والثقافية والدينية.
والواقع أنه خلال الثمانينيات والتسعينيات، نشرت جريدة "البيان" الناطقة باسم الحزب سلسلة من المواد الغنية عن اليهود المغاربة والتراث اليهودي، كما خصصت –في بادرة صحفية مغربية غير مسبوقة—زاوية ثابتة للأدب والثقافة الأمازيغية، تحت عنوان "ركن تامازيغت." وقد واكبت هذه المواد، المكتوبة بلغة أمازيغية أصيلة أو تلك المتعمقة في دراستها للتراث اليهودي، افتتاحيات تتصدرها قضية فلسطين. وظف شمعون ليفي مساحة الجريدة للتفكير في قضايا مجتمعية شائكة، من قبيل الفقر، كانت تهم المغاربة على اختلاف أديانهم، كما سلط الضوء على الجهود الرامية إلى صون الموروث المادي اليهودي. وقد توجت هذه الجهود لاحقا بتأسيس "مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي" عام 1995، التي مهدت بدورها لإنشاء "متحف التراث اليهودي المغربي"، وساهمت بصورة بناءة في تشكيل المشهد الحالي لإحياء وتثمين التراث اليهودي المغربي. أما محمد فرحات، المشرف على "ركن تامازيغت"، فظل يواكب القضية الفلسطينية بانتظام عبر افتتاحياته. إن هذا التلازم بين القضايا الأمازيغية واليهودية، من جهة، والقضية الفلسطينية، من جهة أخرى، على صفحات جريدة الحزب، يدحض وبشكل قاطع الروايات المتداولة اليوم والتي تعزو نجاح الحركات الثقافية اليهودية والأمازيغية إلى "التعددية النيوليبرالية" بدلا من أصولها المتجذرة في التعددية المناهضة للاستعمار.
على الرغم من هذا الموروث، فإن معظم الجمعيات والمؤسسات العاملة في مجال التراث اليهودي بالمغرب اليوم لا تُقِرُّ بفضل هذا التيار التقدمي التقاطعي المناهض للاستعمار في إحياء المشهد الوطني للحياة اليهودية. بل إن غالبية المتاحف والأرشيفات اليهودية الجديدة لا تتعامل بشكل جدي مع السؤال الجوهري: ما الداعي لبروز الحاجة إلى ترميم مواقع الحياة اليهودية، في الأصل؟ ما من شك أن التطرق لهذا السؤال يقتضي الخوض في أسباب هجرة الغالبية العظمى من اليهود المغاربة خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وهذا أمر يستدعي مواجهة آثار الاستعمار والصهيونية على أرض الواقع المغربي.[7]
وحيث إنّ جهود حفظ التراث اليهودي في المغرب المعاصر تميل، في أغلبها، إلى فرض صمت على "السياسة،" فإن قصص مُقاومة اليهود المغاربة للاستعمار والصهيونية تبقى مبعثرة في أرشيفات لا تختص بالتراث اليهودي حصراً، مما يجعلها في الغالب أقل بروزاً أمام الباحثين المتقصين. ومن بين هذه الفضاءات أرشيفات المغرب (Archives du Maroc)، حيث تكشف البرامج وممارسات الاقتناء أن شخصيات يهودية مغربية بارزة أمثال إدمون عمران المالح وشمعون ليفي، المشار إليه آنفا، أبانوا عن التزام ثابت بالتعددية المناهضة للاستعمار. وتتسع دائرة هذا الالتزام لتشمل جهود أولاءك الذين ينطبق عليهم المُصطلح الذي صاغه إبراهيم الغوابلي، وهو "الأرشيفات الأخرى" في إشارة الى تلك الفضاءات التي تتضمن قصص شخصيات استُبعدت من التاريخ الرسمي ومن الأرشيفات التقليدية.[8]
Figure 1:القصاصة العليا اليسرى"المجتمع اليهودي المغربي يشارك في الحداد الوطني،" البيان، 22 شتنبر 1982، ص. 1 القصاصة العليا اليمنى "الجالية اليهودية تتشارك الحزن على (ضحايا) مجزرة صبرا وشاتيلا" البيان 22 شتنبر 1982. القصاصة السفلى اليسرى "برقية من رئيس الطائفة اليهودية إلى جلالة الملك،" البيان، شتنبر 1982. القصاصة السفلى اليمنى"الجماعة اليهودية بالمغرب تستنكر مجزرة بيروت" ماروك سوار، 23 شتنبر 1982. المصدر: 6AP 40 "الجماعة الإسرائيلية بالمغرب، رصيد أرشيفي في ملكية شمعون ليفي، أرشيف المغرب.وتضم هذه "الأرشيفات البديلة" وثائقيات مثل "كاثي وزانا:"They were Promised the Sea لقد وُعدوا بالبحر" و Ziyara"زيارة" لشمعون بيطون، إلى جانب منشورات يسارية كالكتاب الجماعيPalestine Morocco "فلسطين-المغرب" الذي حرره الأكاديمي عبد الصمد بلكبير، وإصدارات حديثة لمجلة Souffles "أنفاس"، المجلة المغربية المشهود لها بمُناهضة للاستعمار.[9]
Figure 2: صور من صفحات جريدة البيان المصدر: الملحق، أرشيف المغرب وتندرج هذه اللقطات التاريخية في إطار الهدف الذي رسمه هذا العدد والمُتمثل في "التنديد بالإبادة والقمع"، مُدرجةً إياه ضمن سياق تقاليد عابرة للحدود والأديان، سعياً لاستثمار الطاقات التحويلية الكامنة في تواريخ مناهضة الاستعمار المتقاطعة لخدمة القضية في الوقت الراهن.
ومن خلال هذه الأرشيفات، يكشف التاريخ اليهودي المغربي عن الدور الذي اضطلعت به الصهيونية وسائر أشكال الاستعمار في عملية اقتلاع اليهود من أرضهم، وذلك بالتزامن مع عملية تجريد الفلسطينيين من أراضيهم. وفي ظل صمت المؤسسات المعاصرة المهتمة بالتراث اليهودي المغربي – وهو صمت تفرضه سياسات التطبيع – أرى أنه من مسؤوليتي، بصفتي باحثة ويهودية ملتزمة بقضية التحرر الجماعي، أن أعيد إحياء وتداول هذه التواريخ المُغَيَّبَة. وفيما يلي بعض النماذج المستمدة من هذه الأرشيفات البديلة، التي تشير الى سعي اليهود المغاربة الى ربط نضالهم من أجل الحرية بالنضال الأوسع الذي يخوضه عموم المغاربة والفلسطينيين.
أما النموذج الأول الذي سأعرضه، فهو بيان صدر عام 1961، ونُشِر لأول مرة في جريدة "التحرير" المغربية، ويُمثِّل أحد أقدم الردود الجماعية العلنية من يهود المغرب على الحملات الصهيونية في البلاد. وقّع هذا النص تلة من اليهود المغاربة [10] من مختلف المشارب، ومن شتى مناطق البلاد، وقد صيغ بأسلوب صريح يُدين الصهيونية من عدة جوانب: بوصفها امتدادًا للاستعمار الأوروبي، وحركة عنصرية تُنتج كراهية اليهود والفصل العرقي، وأداةً لاقتلاع اليهود من وطنهم المختار المغرب ـ وهو ما حدث بالفعل في حالات كثيرة.
"إذا لم يبادر وطنيون واعون لوضع حد لهذه الحلقة المفرغة، حيث يُغَذِّي انعدام الثقة انعداماً مماثلاً، وإذا لم تعلُ أصواتٌ من كلا الجانبين تدعو للخروج من هذا الصراع الذي يغذي ويؤجج الميل للصهيونية ومعاداة اليهود أحدهما الآخر، فقد ينتهي الأمر ببلادنا إلى وضع يضر بمصالحها الحيوية.[11]
انطلاقاً من هذا الوعي، نحن اليهود المغاربة الموقّعون أدناه، والمدركون تماماً لمسؤوليتنا، نعلّق إيماننا الراسخ على خدمة المصلحة العليا لبلدنا، التي لا تنفصل عن مصالحنا المشتركة والمصالح الحقة للمجتمع اليهودي في المغرب. ومن هذا المنطلق، فإننا ندين بوضوح وبشكل علني الدعاية الصهيونية، التي نراها أداةً في يد القوى الاستعمارية وسلاحاً يُقوض من وحدة الشعب المغربي قاطبة. كما نستنكر بشدة ممارسات المحرضين الصهاينة الذين يستغلون مشاعر اليهود المغاربة وتوقهم الأصيل لحياة كريمة وآمنة، لحملهم على الهجرة بعيداً عن وطنهم.
إننا، مسلمين ويهوداً، مدعوون اليوم لتكثيف جهودنا الجماعية من أجل استكمال مسيرة استقلالنا الوطني وبناء أسس حياة كريمة، تتيح للجميع التمتع بالديمقراطية والازدهار والأمان.
وإذ نضع في صلب اهتماماتنا الدفاع عن بلادنا ضد أيّ افتراء أو تشويه، فإننا نحذّر من تلك الحملات الدولية التي تشنّها قوى استعمارية نفعية ضد المغرب، بهدف إشاعة مناخ من التفرقة والعنصرية، وتشويه سمعة البلاد، وعزل المجتمع اليهودي عن نسيج أمته.
إن موقفنا هذا لا ينبع من رغبة في مداهنة أو مجاملة أحد، بل هو صدى لإيمان وطنيين حقيقيين أيقنوا أن المغرب هو وطنهم الأوحد والأخير، وقد سخّروا مساعيهم منذ عقود – وحتى قبل حصول المغرب على استقلاله – لترجمة هذا الايمان إلى حقيقة.
وبالمنطق ذاته، نرى أنه من واجبنا أن نقاوم، وبالحزم نفسه، أي مظهر من مظاهر العداء لليهود. ونؤكد أننا، انسجاماً مع مواقفنا الوطنية الثابتة، سنذود عن حقوقنا الوطنية وحرياتنا في وجه كل أشكال التمييز، واثقين بأن المغرب هو وطننا، ولن يستطيع أحد انتزاعنا منه.[12]
لقد ظلت هذه الرسالة، وعلى مدى سنوات، محصورة في دائرة المتخصصين في شؤون المغرب والقادرين على قراءة اللغة العربية، حيث بقيت محفوظة في أرشيف جريدة "التحرير" وكذا في مؤلفات من ضمنها مؤلف لعبد الصمد بلكبير، الذي لم يكن منشورا على نطاق واسع خارج المغرب. وإذا كانت الترجمة الإنجليزية الحديثة المتاحة الآن في مجلة "أنفاس" تبشر برفع منسوب الوعي بها، فإن القدرة التحويلية لهذا التاريخ من التضامن المتقاطع المناهض للاستعمار ستظل محدودة ما لم نبذل قصارى جهدنا لنشره وتعزيز تداوله، على غرار الشهادات الأخرى المماثلة.
وقد شكل البيان الذي نشرته جريدة "التحرير" عام 1961، سابقة أولى في سلسلة من المواقف التي جاهر فيه اليهود بتنديدهم بالعنف الإسرائيلي. وكان من أبرز الموقعين على هذه الإدانات الكاتب المغربي "ادمون عمران المالح،" الذي جسدت أعماله الادبية ببراعة المآسي المتداخلة بين نزوح اليهود المغاربة من وطنهم وبين التطهير العرقي الجاري بفلسطين.[13] هذا وفي تكريمٍ حديث خُصِّص ل"ادمون عمران المالح" بمؤسسة "أرشيف المغرب"، جرى تسليط الضوء على عدد من البيانات الموقَّعة من قبله ومن قبل شخصيات يهودية مغربية أخرى. ففي سنة 1996، على سبيل المثال، انضمّ الشرايبي، إلى مناضلين يهود مغاربة يساريين أمثال "أبراهام السرفاتي" و"سيون أسيدون،" من أجل إدانة المجازر الإسرائيلية المرتكبة في حق المدنيين في غزة ولبنان. وقد جاء في نصّهم ما يذكّر، على نحو مروّع، باللحظة الراهنة من النكبة المستمرة: "يبدو أن دولة إسرائيل قد استبدّت بها نزعة جنونية قاتلة مجددا، دفعتها إلى أقصى حدود سياستها الانتحارية المبنية على الإرهاب، وذلك بدعمٍ دبلوماسي ولوجستي فعّال من الولايات المتحدة. إن ما يُسمّى "أضراراً جانبية" ليس سوى تدمير وقتلٍ للمدنيين، وهو في صميم المشروع التأسيسي للدولة الصهيونية، الذي تحرص دوماً على ألّا تُفصح عنه علنا."[14]
وربما يصعب تصوّر ذلك اليوم، في ظل غياب صوت يهودي جماعي واضح في المغرب يندّد بالعنف الإبادي الإسرائيلي؛ غير أنّ مؤسسات الحياة اليهودية في البلاد كانت، إلى عهد قريب، تعبّر عن المواقف ذاتها التي تبنّاها الشرايبي وأسيدون والسرفاتي. ففي سنة 2009 على سبيل المثال، أصدر مجلس الطوائف الإسرائيلية بالمغرب بياناً أعلن فيه تضامنه الصريح مع سكان غزة، موجهاً انتقاداً شديداً إلى الدولة الإسرائيلية، جاء فيه:
نحن اليهود المغاربة نقف متضامنين مع الضحايا الأبرياء الذين يعانون في غزة وغيرها… لأكثر من أسبوعين، ظلّ سكان غزة أسرى في مرمى حجر من النيران، يُسحقون تحت القنابل، ويواجهون الدمار الشامل، و يكابدون انعدام الماء والغذاء، بل يواجهون شبح الموت… وهذا أمر غير مقبول ومناقض لتعاليمنا الدينية… إن الشعب المغربي، بما في ذلك طائفته اليهودية، يتألّم بعمق من الأخبار الواردة من غزة. لقد استعر لهيب الحرب لأكثر من أسبوعين، مخلفاً وراءه ضحايا مدنيين بالجملة. إن صور هؤلاء الأطفال الفلسطينيين الذين انتزعت منهم الحياة شيء لا يحتمل البتة. [15]
إنّ مثل هذه الشهادات التي توثّق إدانة اليهود المغاربة لعنف إسرائيل محفوظة اليوم ضمن أوراق شمعون ليفي في أرشيف المغرب. وتضمّ هذه المجموعة مئات الوثائق، من بينها بيانات مماثلة صادرة عن مؤسسات يهودية مغربية عبر عقود من الزمن، ومراسلات بين مناهضين يهود للصهيونية في مختلف أنحاء العالم، فضلاً عن منشورات أخرى مُعارضة للمشروع الصهيوني. وبالنظر إلى خدمته الطويلة في صفوف الحزب التقدمي للقوات الشعبية، وبصفته الأب المؤسّس لحفظ التراث اليهودي في المغرب، لم يكن مُستغرَباً أن يجمع شمعون ليفي أرشيفاً بهذه الأهمية والنُّدرة، يوثّق رفض يهود المغرب للصهيونية. لكنّ المُستغرَب—بل والمُستنكَر—أننا اليوم أمام متاحف وأرشيفات يهودية تنتشر في أرجاء البلاد، تُقصي من سردياتها هذا التاريخَ المناهض للصهيونية، لا سيّما ذلك النشاط الأكثر جذريةً وفجاجةً الذي ساهم في تشكيل هوية التراث اليهودي المغربي أصلاً.
Figure 3:
"ان مجلس الجماعات الإسرائيلية بالمغرب يعبر عن تضامنه مع الضحايا الأبرياء في غزة" وكالة المغرب للأنباء (MAP) بتاريخ 15 يناير 2009. المصدر: 6AP40 “Communauté Israelite du Maroc” (الرصيد الأرشيفي لشمعون ليفي، أرشيف المغرب). وفي الختام، اليكم هذه المحاولة المتواضعة لبناء أرشيف بديل للحياة اليهودية المغربية، مُستلهَمةً من كلمات "روفين أبيرجل،" الشخصية المغربية-الإسرائيلية في حركة "الفهود السود"، وذلك في حوارٍ مع صحيفة "الأيام" اليسارية كان قد أجراه في ديسمبر 2023. فبينما أخلت معظم المؤسسات المعنية بالتراث اليهودي المغربي مكانها لصمتٍ مطبق، جاءت "الأيام" وبعض المنابر اليسارية لتملأ هذا الفراغ، مُطلقةً ملفّاً خاصّاً تحت عنوان "الوجه الآخر [لإسرائيل] بالنسبة لليهود المغاربة"،[16] هدفه تفنيد المقولة الشائعة بأن جميع اليهود صهاينة. والعنوان وحده كفيلٌ بإيضاح هذه القصة إذ يشير إلى وجود أعداد كبيرة من اليهود في إسرائيل، ولا سيما من ذوي الأصول التي تعود إلى جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا، الذين يسعون الآن جاهدين وبعزم إلى مغادرة البلاد بعد أن عانت مجتمعاتهم لسنوات طويلة من الصهيونية. [17] ويختتم "أبيرجيل" فكرته بتذكير حازم يفضح عبثية فكرة التطبيع، التي أعادت تواصل يهود المغرب في إسرائيل مع وطنهم؛ إذ يؤكّد أن "روابطنا مع وطننا، المغرب، ما تزال قائمةً وممتدةً لسنين عدة، ولا حاجة بنا إلى وسطاء أمريكيين أو إسرائيليين ليتدخلوا بيننا وبين ملكنا أو وطننا الأم."[18]
Figure 4:مجلد ضمن ملفات شمعون ليفي بعنوان: "الحركة الفلسطينية" بدون تاريخ؛ "يهود المغرب أم كائنات فضائية." مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي؛ "يهود العراق يتحدثون بأنفسهم" (1969)، دار الجمهورية للطباعة، بغداد ونيويورك؛ "السيد جاك توليدانو يدلي بشهادته: "في المغرب عاش يهود التسامح في بلاد الإسلام السمح"، جريدة البيان، بتاريخ 20 مايو 1991، ص. 1-3. رسم ضمن أوراق شمعون ليفي ترمز الى "اتحاد الشعب الأمازيغي." المصدر: 6AP46 "القضية الفلسطينية" 6AP43 المؤسسة الثقافية اليهودية؛ 6AP45مناهضة الصهيونية؛ 6AP40 الجماعة الإسرائيلية المغربية؛ 6AP34 الثقافة الأمازيغية: تظاهرات ثقافية، الرصيد الأرشيفي لشمعون ليفي، أرشيف المغرب.
تأملات إقبال في تامازغا والتضامن مع فلسطين
في طفولتي، كنتُ أجد نفسي مشدودة تارة لشاشة التلفاز التي تبثُّ صوراً مروعة، وتارة أخرى للقصص التي تتردد في البيت والشارع. ومن بين كل الصور، علق في ذاكرتي مشهدٌ لم يغب: صورة محمد جمال الدرة، الطفل ذي الاثني عشر ربيعاً، وهو يتلقّى وابل من الرصاص. تلك اللحظة المأساوية، التي بُثَّت وأنا لا أزال طفلة صغيرة، ملأت لياليَّ بالكوابيس، وزرعت في روحي هواجسَ عن حربٍ قد تزحف إلينا يوماً.
وتحكي والدتي كيف غرست تلك المشاهد في نفسي حيرةً لا تنقشع وخوفاً لا يتبدد. كنتُ أسمع دعوات والديّ، وأصغى إلى صوت الإمام في صلاة الجمعة والمناسبات، وهم يرفعون الأيدي متضرعين لسلامة وعزة إخوتنا في فلسطين. لقد كان ذلك المشهد الخلفي لطفولتي: لوحةٌ مفعمة بالدعوات والأمل، لكنها موصومة بوحشية العنف الاستعماري.
في المدرسة وفي الشارع، كانت المنشورات تتداولها الأيدي، حاملةً صوراً صارخةً لأطفالٍ جرحى بين أحضان أمهاتهم. كانت تلك المنشورات تُرفق بقوائم تحذّرنا من علامات تجارية تدعم الصهيونية، وتدعونا لمقاطعتها. وأذكر كيف تملكني الارتباك ولوعةٌ طفولية حين رفض والداي شراء صنف من الشوكولاتة كان هو المفضّل لدي، تضامُنا مع تلك المقاطعة. كيف لقطعة شوكولاتة أن تتحوّل إلى سببٍ لمعاناة أناسٍ لم أعرفهم قط؟
لكن مع تعاقب السنين، بدأت تتكشّف لي الصورة على نحو أوضح. ففي عام 2009، اندلعت حرب أخرى على غزة. وخرج الناس في مدينتي إلى الشوارع هاتفين: "حرية لفلسطين" و"كفى عنفاً". وكان الصحفي الناشئ في داخلي يتوق إلى رؤية هذه المسيرات وتوثيقها، لكن والدي، رغم كل دعواته ومقاطعاته، رفض أن يصحبني معه. كان يشتبه في نوايا المنظمين، الذين وصفهم بـ"الإسلاميين الملتحين"، متّهِماً إياهم باستغلال القضية الفلسطينية لتحقيق مآربهم السياسية. ارتبكتُ كثيراً: كيف لأبي المتديّن أن ينأى بنفسه عن متديّنين آخرين، وهم يدعمون قضيةً يؤمن بها؟
أما عطلة نهاية الأسبوع، فعادة ما كنا نقضيها في بيت عمي. وكانت زياراتنا المتكررة للحديقة القريبة من "مجمع محمد جمال الدرة الثقافي" [19] توقظ في نفسي موجةً جديدة من التساؤلات. هناك، كان ابن عمي الأكبر، الذي اعتاد أن يصف نفسه ب"مهووس المعرفة"، يشرح لي القضية بإسهاب، وكان حديثه عن النضال الفلسطيني بلسانٍ عربي فصيح، مشفوع بآيات قرآنية وأحاديث النبوية. غير أنّ هذا الشرح، على ما فيه من تفصيل وإحاطة، لم يخلُ من صدى الخطاب الذي كان يصدر عن "المُلتحين" الذين لم يكن والدي يثق بهم، الأمر الذي زاد من حيرتي.
ذات يوم مصيفٍ زرت بلدة عائلتي الأمازيغية جنوب شرق المغرب، وجدت نفسي أعيد توثيق صلاتي بجذوري عبر أنشطة ثقافية محلية. وفي أحد الأيام، سألتُ أحد المشرفين عن سبب ارتدائه العلم الأمازيغي على كتفه، فأجابني بحماسة: "نحن لسنا بعرب، أما قضيتنا الوحيدة فهي القضية الأمازيغية". تعمد الامتناع عن التحدث بالعربية، وبدا غير مكترث بأمر أي قضية أخرى، مما أثار فضولي للبحث والتقصي في الموضوع أكثر.
ولحسن الحظ، كان لديّ في ذلك الوقت حاسوب مجهز لاستقبال الإنترنت، سمح لي بولوج آفاق رحبة وعالم أوسع من ذلك الذي تعرفت عليه من خلال عائلتي وأصدقائي. شاهدتُ تسجيلات لحرب غزة، وقرأتُ عن تأثير المقاطعات الدولية، وبدأت استوعب كيف يمكن لتضحيات صغيرة – كالامتناع عن شراء لوح شوكولاتة – أن تدعم قضية كبرى. كما تعمقتُ في مسارات النضال الأمازيغي، وفهمتُ لماذا يعتبر بعض أبنائه القضية الفلسطينية شأنا "عربياً" في المقام الأول.
لاحظتُ أيضًا تحولًا في أشكال التضامن: كان رفاقي يصنعون مقاطع فيديو، ويكتبون أغاني، ويبتكرون أنماطًا في الأزياء، وينشرون رسائلهم عبر الوسوم الإلكترونية. كان شكلاً جديدًا من المقاومة، غير مقيد بلغة أو دين أو عرق، بل كان ثورة رقمية وحركة عابرة للحدود، لها قدرة جبارة على الوصول إلى جماهير عالمية.
هذا التطور في أساليب النضال والتضامن، خاصة في أوساط أبناء وبنات جيلي، يستحق التوثيق والتأمل؛ فهو يعكس ديناميات متغيرة داخل الحركات الاجتماعية، ويكشف الطرق المبتكرة التي يشارك بها "الجيل زد" في قضايا العالم ويؤثر فيها. وكان هذا مناط اهتمامي: إنها قصة اكتشاف واتصال، وقصة عن قوة التعبير المعاصر في معركة غايتها إرساء العدالة.
وفي سياق متصل، وجراء اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء، وقّع المغرب "اتفاقيات أبراهام" في ديسمبر 2020، معترفًا بإسرائيل ومُدشنا لعلاقات الدبلوماسية معها. وعلى إثر ذلك خرج المغاربة إلى الشوارع في مسيرات احتجاجية على هذه الخطوة السياسية، مجددين ولاءهم للقضية الفلسطينية.
ورغم الموقف الرسمي للدولة بعد التطبيع، لا تزال الحركات الشعبية والمنظمات المدنية وأعداد كبيرة من الأفراد يهتفون من أجل فلسطين حرة، ويمارسون أشكالًا فعالة من المقاطعة. [20] من الواضح، أن الإرادة الشعبية تتعارض مع الخطاب الرسمي، في مفارقة تٌظهر عمق الانتماء إلى القضية واستمرار توهجها في الضمير الجمعي. يؤدي هذا الواقع في كثير من الأحيان إلى تدخل رسمي يحدّ من نشاط هذه الحركات، خاصة عندما تتبنى مواقف معارضة لاتفاقيات التطبيع مع إسرائيل. ويتخذ هذا التدخل شكل إجراءات مثل فض الإضرابات، أو احتجاز نشطاء ومواطنين يعلنون رفضهم للعمليات العسكرية في غزة، والذين يتهمون الدولة المغربية بـ"التواطؤ" فيما يُوصف بـ"الإبادة الجماعية" للفلسطينيين، أو يعبرون عن اعتقادهم بأن التطبيع يشكل "خيانة" للقضية الفلسطينية.
ومع تطبيع العلاقات، تواترت زيارات الوفود الإسرائيلية إلى المغرب، وشمل ذلك افتتاح مكتب اتصال إسرائيلي في الرباط، وإطلاق رحلات جوية مباشرة بين تل أبيب ومدن مغربية عدة كمراكش والدار البيضاء. وقد حظيت قدوم السياح الإسرائيليين الى المغرب بتغطية إعلامية محلية واسعة، رافقها ظهور مجموعات على منصات مثل فيسبوك تروج لخطاب "الصداقة المغربية-الإسرائيلية".[21] هذه المجموعات، التي كانت في السابق فضاءً للنقاشات العاطفية حول تاريخ العائلات اليهودية المغربية، أضحت تنقل رسوماً متوافقة مع سياق التطبيع، مقدمةً صورة لإسرائيل وكأنها الطرف الذي يسهل "عودة" اليهود من أصل مغربي، من دون تناول السياق التاريخي المعقد لموجات التهجير تلك ومدى تسبب إسرائيل بها.
وفي إطار الحفاظ على التراث، لوحظ تركيز متزايد على المواقع التراثية اليهودية، مع تمويل أمريكي كبير موجّه لمنظمات تعمل تحت شعار حماية هذا التراث في سياق التطبيع. [22] إلا أن هذا التمويل يطرح إشكالية تجاه مبادرات محلية قديمة كانت تقوم على العمل التطوعي والاهتمام الأصيل، حيث ظل أوصياء مسلمون لسنوات يحافظون على هذا الإرث بدوافع إنسانية وروابط جوار، بعيداً عن أي مقابل مادي أو أهداف سياسية. [23] وقد أدى ربط تمويل التراث بحجم المصالح السياسية إلى تحويل طبيعة هذه الجهود من عمل مجتمعي أصيل إلى مشروعٍ تحكمه اعتبارات أخرى.
على الصعيد الشخصي، وبصفتي باحثة في الذاكرة الجماعية والتنوع الإثني في أوساط المجتمعات الأمازيغية، لاحظت تحولاً في نظرة بعض المشاركين الى أبحاثي. فكبار السن الذين كانوا يتحدثون في الماضي بشغف وحنين عن علاقات الجوار مع الجاليات اليهودية، أصبحوا اليوم يبدون تساؤلات حول الدوافع الخفية وراء الدراسات التي أجريها، وهذا التساؤل متأثر بطبيعة الحال بالسياق السياسي والاقتصادي الراهن، وبالصورة الجديدة المرتبطة بتمويل التراث والتطبيع.
التفاعلات والاستقطاب قبل وبعد التطبيع في المغرب
على الرغم من توجه العديد من المؤسسات العاملة في الحفاظ على التراث الأمازيغي واليهودي نحو نهج ليبرالي متعدد الثقافات، فإن الدعمَ القويَّ للقضية الفلسطينية لا يزال حاضِرًا بقوة لدى فاعلين آخرين. وفي هذا السّياق، يُبرَز موقف CTCC or Tada Tamghrabit (أو، التجمُّع تمغرابيت للتقارب المدني) الذي أصدر بيانًا في نوفمبر 2023، عبّر فيه عن دعمه لحقوق الفلسطينيين، مع استنكاره في الوقت نفسه استهدافَ أفراد من المجتمع اليهودي المغربي تحت ذريعة التضامن مع فلسطين.[24] وسلّط البيان الضوءَ على معاناة المدنيين جرّاء العنف الدائر في فلسطين التاريخية، مُدينًا هجمات 7 أكتوبر وما أعقبها من عدوان إسرائيلي على غزّة. كما وجّه التجمُّع انتقاداتٍ حادّةً للعمليات العسكرية الإسرائيلية العشوائية، التي تنتهك القانون الإنساني الدولي من خلال استهداف المدنيين وتدمير البنى التحتية. ولم يفت البيانُ رفضَ فكرة ربط التضامن مع اليهود المغاربة بالتخلي عن القضية الفلسطينية، مؤكدًا على ضرورة التمسك بوحدة المغاربة في الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة. كما حثّ المجتمع الدولي على العمل وفق قرار مجلس الأمن رقم 242، الداعي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة واحلال السلام بالمنطقة.
وخلُص التجمُّع إلى حجّةٍ مُقنعة مفادها أن نضال الأمازيغ واليهود من أجل حقوقهم مرتبطٌ عضويا بنضال الفلسطينيين من أجل ضمان وجودهم وتكريس حقوقهم. وأكّد بيانُهم على عالمية حقوق الإنسان، معتبرين أن مبادئ الكرامة والعدالة ينبغي أن تشمل جميع الشعوب دون استثناء، وبغض النظر عن أي اعتبارات إثنية أو دينية. وهكذا، يظل الدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير متلازمًا مع النضال من أجل جماعات أخرى طالها التهميش، وعلى رأسها الأمازيغ واليهود في شمال أفريقيا. والملاحظ أن هذا الموقف يتسق مع مواقف نشطاء الأمازيغ الآخرين، الذين يدركون أن التضامن في النضال من أجل حقوق فئة معينة يعزز النضال الجماعي ضد الظلم والتمييز.
يجسّد هذا المعنى بوضوح نشاط BDS (أو، حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات) في المغرب، لا سيما من خلال شخصيات مثل "سيون أسيدون." أسيدون، الناشط اليساري ذو الأصول اليهودية-الأمازيغية، الذي أمضى فترة في السجن لأسباب سياسية، يدعو إلى مقاطعة ووقف الاستثمارات وفرض العقوبات على الشركات الكبرى العاملة في فلسطين المحتلة وعلى المؤسسات الإسرائيلية، بما في ذلك المؤسسات التعليمية التي تساهم في استمرار استعمار فلسطين. وتطلق حركة المقاطعة في المغرب نداءً للمواطنين لمقاطعة علامات تجارية مثل كارفور، كوكاكولا، ماكدونالدز، برجر كينغ، ونستله. (وكما هو شأن نظيرتها العالمية، تعارض حركة BDS المغرب بشدة سياسات الحكومة المغربية، خصوصاً تلك التي تيسر إقامة شراكات بين الجامعات المغربية والمؤسسات الإسرائيلية. ومن خلال تسليط الضوء على شراكات مثل تلك القائمة بين جامعة محمد السادس متعددة التخصصات وجامعة بن غوريون، تؤكد الحركة مسؤولية المؤسسات الأكاديمية في إدامة نظام الفصل العنصري الإسرائيلي،[25] وتطالب بإنهاء هذه الشراكات فوراً وامتناع الجامعات المغربية عن أي تعامل مع الدولة الإسرائيلية. كما تشدّد على الدور التاريخي للجامعات المغربية كحصون للمعرفة والبحث النقدي، داعية المجتمع الأكاديمي إلى المحافظة على مكانتها والنأي بنفسها عن أي توجه نحو التطبيع. يبرز هذا الموقف التزام حركة BDS المغرب الثابت بمواجهة جهود التطبيع على المستوى المؤسساتي، بهدف عزل إسرائيل على المستويين الأكاديمي والسياسي والضغط على النظام الإسرائيلي للاعتراف "بحق الفلسطينيين البسيط في التمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها سائر البشر." [26]
تلعب الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع—التي تتشكل من حوالي عشرين حزباً ونقابة وجمعية والمتقاربة إلى حد كبير مع الإسلاميين المنتمين لحزب العدالة والتنمية—دورا حيوياً في تعبئة الدعم لصالخ فلسطين بالمغرب.[27] في أعقاب تدهور الأوضاع الإنسانية وتصعيد العدوان الإسرائيلي على غزة من جديد، كثفت الجبهة جهودها الرامية الى تعبئة الرأي العام بشكل ملحوظ، ودعت إلى مسيرة وطنية في الرباط يوم 24 ديسمبر 2023 تحت شعار: "الشعب المغربي يتكلم بصوت واحد: أوقفوا حرب الإبادة، أوقفوا التطبيع."
وتركز أنشطة المنظمة المذكورة آنفا على إدانة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، والاحتجاج على الدمار الذي تسببت به القوات الإسرائيلية وحلفاؤها، والمطالبة بوقف إمداد إسرائيل بالأسلحة. والى جانب تأكيدها على تضامنها الموصول مع الشعب الفلسطيني، تُدافع المنظمة كذلك عن النشطاء المعتقلين بدعوى معارضتهم للتطبيع. وهكذا، ففي شهر يوليو من سنة 2023، تم اعتقال السعيد بوكيود، المواطن المغربي البالغ من العمر 48 عامًا والمقيم بقطر، لدى عودته إلى المغرب، وحُكم عليه بصفة استعجالية بالسجن لمدة خمس سنوات، مقرونة بغرامة قدرها 40,000 درهم (أو ما يعادل 3700 يورو تقريبا)، بتهمة "محاولة تقويض نظام الملكية" وذلك استنادا الى منشور نقدي كان قد نشره على صفحات Facebook في ديسمبر 2020 على إثر تجديد العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل.
إلى جانب تنظيم مظاهرات كبيرة، مثل تلك التي جرت في 10 ديسمبر 2023 بالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، تواصل المنظمة تعبأة وحشد عشرات الآلاف من الأشخاص. وقد شهدت العاصمة الرباط ومدن مغربية أخرى احتجاجات حاشدة، حيث رفع المتظاهرون الأعلام وبعض الرموز الفلسطينية الأخرى، حاملين لافتات تطالب بتحرير فلسطين. ومن خلال هذه الجهود المتضافرة، فإن المنظمة تعبر عن التزامها الثابت بدعم القضية الفلسطينية ومعارضتها للتطبيع مع إسرائيل.
لم ينجح التقارب المغربي مع إسرائيل، في إطار "اتفاقيات إبراهيم"، التي لعبت الولايات المتحدة دور الوسيط فيها، في تقليص الدعم الرسمي العلني الذي يقدّمه المغرب للقضية الفلسطينية. ففي الحادي عشر من أكتوبر 2023، ترأس ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، اجتماعًا طارئًا لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى الوزراء في القاهرة.[28] وقد انعقد هذا الاجتماع بناءً على طلب مشترك من فلسطين والمغرب، لمناقشة الإجراءات السياسية الواجب اتخاذها من قِبل دول المنطقة والمجتمع الدولي لوقف التصعيد في الأراضي الفلسطينية. وفي كلمته، شدّد بوريطة على الطابع الكارثي للوضع الميداني، نتيجة الاستخدام المفرط للعنف واتساع رقعة النزوح والأزمات الإنسانية الخانقة التي تشهدها غزة، مبرزًا الحاجة الملحّة إلى تدخّل دولي عاجل لحماية المدنيين والتخفيف من المعاناة الناجمة عن الحصار وسائر الإجراءات القمعية المفروضة على القدس والأراضي المحتلّة.
وبالمنحى نفسه، جدّد المغرب، خلال قمة السلام المنعقدة في القاهرة في 21 أكتوبر 2023، تأييده لوقفٍ فوريٍّ للتصعيد، ووضعِ حدٍّ لإراقة الدماء، ووقفِ العمليات العسكرية، حفاظًا على ما تبقّى من فرص وآمال لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.[29] وقد شدّد الممثلون المغاربة على ضرورة حماية المدنيين وضمان عدم استهدافهم، التزامًا بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقيم الإنسانية المشتركة. وفي السياق ذاته، دعا المغرب إلى الإسراع في إيصال المساعدات الإنسانية إلى سكان قطاع غزة، بشكل كافٍ ومن دون أي عوائق، مؤكّدًا رفضه القاطع لأي حلولٍ تقوم على تهجير الفلسطينيين أو طردهم من أرضهم، ومشدّدًا في الوقت نفسه على أهمية صون الأمن القومي للدول المجاورة.ومع ذلك، حافظ المغرب على التزامه بأحد الشروط الجوهرية في "اتفاقيات إبراهيم،" والمتمثّل في الاعتراف بدولة إسرائيل، من خلال تجديد دعوته إلى حلّ الدولتين، بحيث تُقام الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، وتكون القدس الشرقية عاصمةً لها.
وفي سياقٍ أكثر حداثة، وتحديداً في السابع والعشرين من فبراير 2024، وخلال الدورة الخامسة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أعاد السيد ناصر بوريطة، التأكيد على الموقف الرسمي للمملكة الداعي إلى وقفٍ فوريٍّ وشاملٍ للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. وقد صرّح في هذا السياق قائلاً: "في مواجهة تصاعد العمليات العسكرية وتدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، تجدد المملكة المغربية مواقفها الثابتة، وتطالب مجدداً وبإلحاح بوقف العمليات الحربية الإسرائيلية على غزة فوراً وعلى نحو شمولي مستدام." [30]
ومع ذلك، ورغم التصريحات العلنية التي يدلي بها المغرب نصرةً لغزة وفلسطين عموماً في المحافل الدولية والإقليمية والوطنية، فإنّ اتفاقيات إبراهيم قد أطلقت تعاوناً عسكرياً بين المغرب وإسرائيل لم يُعلَن عن تعليقه حتى الآن. فعلى سبيل المثال، يتجه المغرب إلى أن يصبح مركزاً إقليمياً لتصنيع الطائرات المسيّرة، من خلال إنشاء مصانع تابعة لشركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية على أراضيه [31]. كما أن التطورات الأخيرة، خاصة منذ السابع من أكتوبر، تشير إلى استمرار التزام الدولة المغربية بالتعاون العسكري الثنائي، (وهو ما يتنافى، بطبيعة الحال، مع التصريحات الرسمية الداعمة لحق الشعب الفلسطيني في التحرر). ومن أبرز الأمثلة على ذلك، أنّ المغرب سمح، في السادس والسابع من يونيو 2024، لسفينةٍ حربيةٍ إسرائيلية كانت في طريقها من الولايات المتحدة إلى إسرائيل بالرسو في ميناء طنجة، مما أتاح لها إعادة التزود بالوقود والتموين في خضمّ الصراع الدائر. وقد أثار هذا القرار انتقاداتٍ حادة، باعتباره يجسّد تناقضاً واضحاً بين التضامن المعلن مع غزة وبين السماح بتواجدٍ عسكريٍّ إسرائيليٍّ في المياه الإقليمية المغربية.
وقد عبّرت "الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع"، وهي تجمع يضم عدداً من المنظمات العاملة في إطار التضامن مع القضية الفلسطينية،[32] عن رفضها لهذا القرار، مستنكرةً تقاعس الحكومة عن الردّ على الانتقادات، ومشيرةً إلى التناقض الصارخ بين هذا الموقف وبين قرار إسبانيا السابق برفض دخول سفينةٍ حربيةٍ إسرائيليةٍ إلى مياهها الإقليمية. فقد كانت مدريد قد منعت، في التاسع عشر من مايو 2024، سفينة الشحن الدنماركية "ماريان دانيكا" من دخول ميناء قرطاجنة، استناداً إلى تقارير إعلامية إسبانية أفادت بأنّ حمولتها تضمّ 27 طناً من المتفجرات قادمةً من الهند ومتجهةً إلى إسرائيل.
المقاومة الرقمية لجيل "زد" في ظلّ انحسار أشكال الاحتجاج التقليدية في الفضاءات العمومية، برزت موجة متصاعدة من النشاط الرقمي، تغذّيها الضرورة الواقعية واستمرار القمع الممنهج لأنشطة التعبئة الداعمة لفلسطين، بما فيها السلمية منها.[33] وبقدر ما يزداد التضييق على القنوات المعارضة العلنية وتقييد مساراتها المؤسسية، بقدر ما يلجأ جيلٌ جديد من الفاعلين، خاصة الشباب المنتمي لجيل "زد"، إلى فضاءات التواصل الاجتماعي مثل "يوتيوب" و"ميتا" و"إنستغرام" وغيرها، باعتبارها منصاتٍ أكثر انفتاحاً وأماناً للتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني. ويتجلّى هذا التحوّل في طيفٍ واسع من أشكال المشاركة الرقمية: ابتداء من بثّ المقاطع المرئية وإجراء المقابلات المباشرة، إلى إبداع الأعمال الفنية الرقمية ونشر الرسوم البيانية التوعوية التي تجسّد، بواقعية مؤثرة، تفاقم المأساة الإنسانية في غزة.
ومن الجدير بالذكر أنه ومنذ الشرارة الأولى للربيع العربي، أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي قدرتها على دمقرطة الوصول إلى المعلومة وتحدّي الروايات الرسمية المهيمنة في المنطقة. فهي لا تشكّل مجرد منصاتٍ للتعبير الشخصي، بل تحوّلت إلى فضاءات لنشر الروايات البديلة على نطاق واسع، تتيح تداول الأخبار من مصادرها الأولى، وتمنح مجالاً لظهور أصواتٍ طالها التهميش وعانت من تجاهل الإعلام التقليدي لشؤونها. كما تتيح هذه المنصات إمكاناتٍ جديدة لتنظيم العمل الجماعي وحشد الطاقات، متجاوزةً القيود القانونية والسياسية المفروضة على التجمّعات في المجالات العمومية. وفي هذا الإطار، أصبحت الوسوم من قبيل: #حرية لفلسطين؛ #غزة تحت القصف؛ #كل الأنظار على رفح؛ #أوقفوا جرائم حرب إسرائيل؛ و#تضامنا مع فلسطين بمثابة نداءات تعبئة إلكترونية تتجاوز اللغات والحدود، وتسعى لتوحيد الملايين من الأصوات حول خطابٍ إنساني وأخلاقي مشترك يُناهض العنف ويُدافع عن العدالة والكرامة الفلسطينية.
وإلى جانب هذه الحملات الرقمية، تحتل الرموز البصرية الفلسطينية حيزا مركزيا في النشاطية الإلكترونية: انطلاقا من رمز "البطيخ" الذي بات يُشكل بديلاً للعلم الفلسطيني، وانتهاء بألوان الراية المرافقة لصور الملفات الشخصية، ومروراً بالرموز التراثية مثل الكوفية والمفتاح القديم، الذي يرمز الى عودة الفلسطينيين الى أراضيهم. من الجلي أن هذه العناصر مجتمعة تشكل لغة رمزية مشتركة تعبّر عن المقاومة والانتماء والذاكرة، وتعيد تأكيد مركزية الهوية الفلسطينية في المشهد الرقمي العالمي.
ورغم ما يرافق هذا الاستخدام من مخاطر تتجلى في تحويل الرمزية إلى مجرد أداء شكلي أو سلعة رقمية ضمن اقتصاد الصورة، فإنها، مع ذلك، تبقى، بالنسبة للعديد من الناشطين، مدخلاً إلى انخراط أعمق في الفعل السياسي والاجتماعي، وسند معتبر لجهود الحشد الميداني خارج الفضاء الافتراضي. إنّ هذا التوظيف الإبداعي للرموز والثقافة الشعبية لا يحافظ على زخم الخطاب التضامني فحسب، بل يوسّع أيضاً نطاق التأثير والفاعلية، مساهماً بذلك في بناء شبكات تضامن عابرة للحدود تتجاوز الانقسامات الجغرافية والسياسية. وعليه، يُمكن النظر إلى النشاط الرقمي في المغرب—كما هو الحال في سائر السياقات الإقليمية—ليس بوصفه بديلاً عن الاحتجاج الميداني، بل كاستراتيجية موازية ومُساعدة لمواجهة القمع، وتضخيم الخطاب المُناصر لإحقاق العدالة وتكريس حقوق الإنسان بفلسطين.
وعلى منصة "تيك توك،" حيث يمثل الشباب دون الثلاثين من العمر أكثر من 50 في المئة من مجموع رواد المنصة، تجاوز عدد مشاهدات وسم "#فلسطين حرة" أكثر من 31 مليار مشاهدة، وهو رقم لا يزال يتزايد على نحو مضطرد، مقابل 590 مشاهدة فقط لوسم "# دعونا نقف لجانب إسرائيل"، وهو ما يمثل خمسون ضعفًا.[34] وبالنسبة لأبناء العصر الرقمي، ولا سيما "جيل زد،" تحول الفضاء الأزرق إلى المعترك الرئيسي ضد الظلم في مختلف تجلياته. وفي فضاء لا يخلو من رقابة، واصل أفراد هذا الجيل التعبير عن غضبهم وتضامنهم مع غزة وفلسطين. وعلى الرغم من الإبلاغ المتكرر عن منشوراتهم المنتقدة لإسرائيل وحظرها وتكميمها من قبل شركات التواصل الاجتماعي، لا يزال هؤلاء الشباب يبتكرون أشكالًا جديدة من المقاومة الرقمية: ابتداء من حملات المقاطعة، وانتهاء بإنشاء أرشيفات توثق التاريخ الفلسطيني تحت الاحتلال، مرورا بتوظيف السخرية السوداء لفضح اللامبالاة العالمية تجاه معاناة الفلسطينيين.
ويتّسم أسلوب الشباب هذا في المقاومة بالتعدد والانفتاح، فهم يسعون دوما لإنشاء صلات رمزية بين معاناة الغَزَّاوِيين وتجاربهم الشخصية مع الأنظمة السياسية وانتهاكات الحقوق والحريات، بما في ذلك حقوق مجتمع الميم. ثم إن نقاط الالتقاء كما حددها "جيل زد" بين نضال الفلسطينيين وقضاياهم الخاصة قد عمقت إحساسهم بالانتماء إلى القضية، وجعلتهم من أكثر الأجيال انخراطًا في النقاشات الدائرة حول فلسطين بجرأة واستمرارية قل نظيرها في العقود الأخيرة.
ومن أبرز أشكال التضامن مع المقاومة الفلسطينية كما يعتمدها الشباب الأمازيغي بالمغرب، ولا سيما الشباب المنتمي ل"جيل زد،" ما يشمله مهرجان "بيلماون،" من أشكال التعبير، إذ يدمج الشباب رموز الثقافة الأمازيغية مع عناصر التضامن مع فلسطين. والجدير بالذكر أن "بيلماون" كلمة أمازيغية تعني "عيد الأرواح." وهو احتفاء أمازيغي عريق يُقام مُباشرة بعد عيد الا ضحى. وخلال هذا المهرجان، يخرج الشباب إلى الشوارع مُتنكِّرين، مُرتدين أقنعة وجلود الماعز والأغنام، مجسّدين شخصية أسطورية يُعتقد بأنها تجلب البركة وتُبعِد الشرور.[35] وفي السنوات الأخيرة، دأبت هذه الشخصية على حمل العلم الفلسطيني أثناء أداء هذه الطقوس المتجذرة والعريقة، فيما الشباب المشارك يهتف بـ "الحرية لفلسطين" —في مشهد بهي يمزج بين التقليد الأمازيغي القديم والتعبير السياسي المعاصر.
وخلال العقد الماضي، تم تعويض الأقنعة الجلدية التقليدية تدريجيا بمكياجات سينمائية وأقنعة فنية وهزلية تعبّر عن وعي المشاركين بالقضايا العالمية وانفتاحهم على حركات التضامن المختلفة. وقد ألفت شوارع منطقة سوس مشاهد لشخصيات "بيلماون" مُزينة بالوشوم الأمازيغية وألوان العلم الأمازيغي، وترتدي في الوقت ذاته الكوفية الفلسطينية –رمز النضال والمقاومة—فوق رؤوسهم أو ملفوفة حول خصورهم، في صورة مهيبة تجسد القوة والتضامن العابر للثقافات.
أبدع المشاركون في مهرجان "بيلماون" لهذه السنة في توظيف الجسد كمساحة رمزية للتعبير السياسي والثقافي؛ إذ زينوا وجوههم مستعملين ألوان العلم الفلسطيني ورفعوا الأعلام وهم يجوبون شوارع أكادير، في مشهد يزاوج بين الاحتفالية والمقاومة. وفيما يشكل إبداع بصري مدهش، مزجوا بين الكوفية الفلسطينية والوشوم الأمازيغية التقليدية، فظهرت على أحد جانبي الوجه نقوش الكوفية، بينما زُخرف الجانب الآخر بالكلمة الأمازيغية "تيلّي"، (أو، الحرية). وبهذا الفعل الرمزي، أعلنوا اصطفافهم الثابت إلى جانب قضية التحرر الفلسطيني، وجعلوا من أجسادهم وسيلة لتبليغ معنى الحرية عبر إعمال لغتين بصريتين تنتميان إلى ذاكرة المقاومة المشتركة.
هذا الأداء الثقافي يفيد بأن دعم المقاومة الفلسطينية في المغرب لا يقتصر على الإضرابات الرسمية أو الفعاليات المؤسسية، بل يتجاوزها ليشكّل حركةً شعبية متجذّرة، تعبّر عن وعيٍ جمعي لدى جيلٍ يرى فلسطين بمثابة مرآةً تعكس قيم الحرية والعدالة والكرامة. فمن خلال هذا المزج الخلّاق بين الرمزين الأمازيغي والفلسطيني، يؤكد الشباب الأمازيغيون انتماءهم إلى شبكة كونية من النضالات الأصلية، ويجعلون من فعلهم الفني والسياسي إعلاناً عن وحدة المصير الإنساني، مشددين على أن الحرية، في جوهرها، قيمة لا تقبل التجزئة أو الاحتكار.
ورغم المجهودات المتواصلة لبعض السياسيين ووسائل الإعلام الدولية المنحازة من أجل وضع هذا الجيل داخل إطار ضيق من الصور النمطية التي تبرز كآبة وعاطفية وضلال بل وحتى سذاجة المنتمين له، في محاولة لتقويض شرعية نشاطه الرقمي، فإن جيل "زوومرز" يواصل تمسّكه بالموقف الأخلاقي والإنساني الداعم للقضية الفلسطينية. والواقع أن هذا الجيل يعبّر عن وعي سياسي جديد يتجاوز حدود الأيديولوجيا، إذ يطالب بالمقاطعة، وبالوقف الفوري لإطلاق النار، وبمحاسبة المتواطئين مع إسرائيل من ساسةٍ وصنّاع قرارٍ ورجال أعمال ومشاهير. ويبرهن، من خلال فعله الجمعي، على أن الدفاع عن العدالة ومناهضة العنف لا يرتبطان بانتماء
ديني أو ثقافي محدد، بل بقيم إنسانية كونية تجعل من التضامن مع المقهورين فعلاً أخلاقياً بامتياز.
Figure 5:كيفي حمزة، @hamza_keeyvi"كنتمى مانكونش" (تمنيت لو أني لم أكن موجودا)، بتاريخ 22 يونيو 2024. استرداد الصورة من الرابط الدائم التالي:https://www.instagram.com/p/C8hm2Q7CZd4/?img_index=1 يمثّل الصمت الراهن الذي يلزمه بعض الأكاديميين والمؤسسات العاملة في المغرب أو المعنية به إزاء الدفاع عن فلسطين، قطيعة جوهرية مع الإرث التاريخي للنضال المناهض للاستعمار والصهيونية، وهو إرث متجذر في الذاكرتين اليهودية المغربية والأمازيغية على حد سواء، كما أسلفنا. لقد جسدت تلك التقاليد التزاماً عميقاً بحماية التعددية المغربية، من خلال تضامنها مع الشعوب المظلومة والمستعمَرة حول العالم، مؤكدة أن التحرر لا يكون حقيقياً إلا إذا كان شاملاً وجامعاً. وفي ظل ضغوطات الصمت، الناجمة عن تخوفات من تبعات مهنية وخيمة أو من اتهامات زائفة بالعنصرية – ولا سيما الاتهام بمُعاداة السامية – يبقى من الواجب الأخلاقي، استلهاماً ووفاءً لمسار الأجيال السابقة، مواصلة الدفاع عن العدالة والسلام بوصفهما ركيزتين للكرامة الإنسانية. إن مناهضة الاستعمار والصهيونية المتأصلة في الحركات الثقافية اليهودية المغربية والأمازيغية تذكّرنا بأن الوقائع الجيوسياسية الراهنة لم تكن حتمية، وأن مقاومتها واجب تاريخي وأخلاقي في آن واحد. ومن خلال الاعتراف بهذا الإرث التضامني وتملُّكِه، فإننا نُعيد تأكيد مسؤوليتنا الأخلاقية في مواجهة الظلم، وفي دعم تحرر الشعوب كافة، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، في نضاله المستمر لإنهاء النكبة وإقامة العدالة. إن الاستمرار في العمل الأكاديمي والنشاط المدني، والتمسك برفض أي محاولة لمحو التضامن الأمازيغي واليهودي المغربي المعهود مع فلسطين، يشكّلان معاً عملاً من أعمال الوفاء لتلك الذاكرات المشتركة، ومساهمة فعالة في بناء عالمٍ أكثر عدلاً وإنصافاً وإنسانية.
[1] https://mondoweiss.net/2023/10/jewish-studies-scholars-say-jewish-studies-must-demand-a-ceasefire يؤكّد الباحثون في حقل الدراسات اليهودية أن هذه الدراسات يجب أن تطالب بوقف فوري لإطلاق النار
[2] كيبل، يو. (2022) "اكراهات الصهيونية والوجود الفلسطيني: دراسة تاريخية تأصيلية." مجلة الدراسات الفلسطينية 51 (2): 66-71؛ خاليدي، ر. (2020)، حربا المئة عام على فلسطين: تاريخ الاستعمار الاستيطاني والمقاومة، 1912-2007، دار النشر ماكميلان.
[3] وعلى سبيل المثال، لم تصدر جمعية ميمونة أي بيان، بل خصصت أولى منشوراتها الصادر بعد السابع من أكتوبر للحديث عن شخصيات عُرفت بمحاربتها "لمعاداة السامية"، قائلة: "تميز الحدث المنظم بحضور السيد فيرناندو لوتنبرغ، رئيس الطائفة اليهودية في البرازيل ومفوض منظمة الدول الأمريكية لرصد ومكافحة معاداة السامية، وتسلم جائزة مستحقة من جمعية ميمونة." وجاءت هذه الجائزة تقديرًا لالتزامه بمكافحة معاداة السامية في الأمريكيتين. لقد ترك تفاني السيد لوتنبرغ وجهوده الدؤوبة في تعزيز التعايش والتفاهم أثرًا بارزًا في النفوس. كما كانت مشاركته في معرض "طنجة الروحية" المنظم بطنجة وزيارته لبيت الذاكرة بمدينة الصويرة، مُلهِمة حقا. ونحن فخورون بإبراز مكانته والاشادة بإسهاماته القيمة. #طنجة الروحية #لا لمعاداة السامية# جمعية ميمونة #الوحدة من خلال التنوع. وللاطلاع على المزيد من منشورات مؤسسة ميمونة، يُرجى زيارة الرابط الدائم التالي: https://www.facebook.com/MimounaOfficial كما التزمت مؤسسات أخرى (مثل "بيت الذاكرة") الصمت، كذلك.
[4] أنظر مقالة كيبل السالفة الذكر.
[5] عياش، ج. (1979). "دراسات في التاريخ المغربي". الناشر: الجمعية المغربية للناشرين المتحدين؛ مقال "ملاحظات حول الحقوق اللغوية والثقافية والمعهد الدولي للدراسات الأمازيغية: التنوع الثقافي الوطني عنصر تكويني لوحدة الأمة" لأحمد بوكيود، 1 يناير 1979، جريدة البيان، ملحق، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب؛ مقال "الإصلاحات الدستورية والحقوق الثقافية". 23 يونيو 1992، جريدة البيان، ملحق، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب؛ مقال "التراث الثقافي الوطني: حوار مع الشاعر الأمازيغي صالحي الطاهر". 2 يناير 1993، جريدة البيان، ملحق، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب؛ مقال "'المسألة الأمازيغية': 'الجذور' و'الآفاق' ". 13 أبريل 1993، جريدة البيان، ملحق، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب.
[6] وثيقة "في متحف اليهودية المغربية" لستيفن سميث،1996، المرجع 6ap 43، ضمن ملف "المؤسسة الثقافية اليهودية المغربية". رصيد الوثائق في ملك شمعون ليفي، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب؛ وثيقة "مؤسسة التراث اليهودي المغربية". لشمعون ليفي، غير مؤرخ،6ap 43 ضمن ملف "المؤسسة الثقافية اليهودية المغربية". رصيد الوثائق في ملك شمعون ليفي، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب؛ "نشرة إعلامية لمؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي ومتحف اليهودية" لشمعون ليفي، سبتمبر 2006، المرجع 6ap 43، ضمن ملف "المؤسسة الثقافية اليهودية المغربية". مجموعة شمعون ليفي، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب؛ وثيقة "حصيلة وآفاق: مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي" لشمعون ليفي، 9 فبراير 2001، المرجع 6ap 43، ضمن ملف "المؤسسة الثقافية اليهودية المغربية". مجموعة شمعون ليفي، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب.
[7] الكوهان، أ. (2022)، رحيل اليهود من المغرب: قضايا ومسارات، مطبعة الاخوان السلايكي؛ مدب، أ و ستورا ب.، (2013)، A History of Jewish-Muslim Relation: From the Origins to the Present Day (تاريخ العلاقات اليهودية الإسلامية: من البداية وحتى الزمن الحاضر)، منشورات جامعة برينستون.
[8] الغوابلي، ب. (2023)، Moroccan Other Archives (أو، أرشيفات المغرب الأخرى)، منشورات جامعة فوردهام، ص. س
[9] وزانا. ك:" They were Promised the Sea لقد وُعدوا بالبحر" انتاج بيكوم برودكشنز؛ و Ziyara"زيارة" لشمعون بيطون، انتاج ايكاروس فيلم؛ بلكبير، أ. (2021)، فلسطين قضية وطنية، الملتقى؛ بوم أ. والغوابلي، ب. (محرران) Morocco’s Palestine (فلسطين المغرب)، مجلة Souffles"أنفاس" عدد 3 (2024). متاح على الرابط الدائم التالي: https://www.soufflesmonde.com/posts/introduction-morocco-palestine
[10] ظهرت أسماء الموقّعين في النص الأصلي على النحو الآتي: إبراهيم السرفاتي، مهندس في المناجم؛ يوسف ليفي، وزارة الأشغال العمومية؛ روجيه كوهين، البنك الوطني للانماء الاقتصادي؛ الدكتور العلوف، طبيب (الخميسات)؛ الدكتور يوسف بن دلاك، طبيب (بخريبكة)؛ صموئيل بن حروش، المكتب الشريف للفوسفات؛ الآنسة أفليس سرفاتي، كاتبة (الدار البيضاء)؛ رالف بن حروش، محامٍ (الدار البيضاء)؛ ريني أوحنا، ملحق لدى النيابة العامة؛ يهودا أزويلوس، مصلحة التمويل الخارجي (الرباط)؛ ليون المعلم، مفتش مالي (الرباط)؛ شمعون ليفي، أستاذ (الدار البيضاء)؛ عمران المالح، أستاذ (الدار البيضاء)؛ إسحاق ليفي، أستاذ (الدار البيضاء)؛ كابي إلياهو، مدير مدرسة (الدار البيضاء)؛ زريحن صموئيل، أستاذ (الدار البيضاء)؛ رُويمي حاجيت، أستاذ (الدار البيضاء)؛ واكنين ألبير، الكهرباء والماء (الدار البيضاء)؛ عطار عمران، مهندس (الدار البيضاء)؛ ألبومئير، مفتش الاتصالات (الدار البيضاء)؛ عمار صموئيل، مهندس (الدار البيضاء)؛ فهيمة الآن، مهندسة (الدار البيضاء)؛ جاك السباغ، مهندس (الدار البيضاء).
[11] الجدير بالذكر أن س. أصيدون أعاد التأكيد مؤخرا على هذه الملاحظة التي ترى بأن الصهيونية تغذي معاداة السامية، وذلك في مقابلة تعود إلى سنة 2019. انظر الى المقال المعنون Le sionisme nourrit l’anti-semitisme, selon le militant marocain, Sion Assison (الصهيونية تغذي معاداة السمية، بحسب المناضل المغربي س. أصيدون، مجلة Challenges أو التحدي، الصادرة بتاريخ 3 مارس 2019، والمقال متاح على الرابط الدائم التالي: https://www.challenges.fr/societe/le-sionisme-nourrit-l-antisemistisme-selon-sion-assidon_645804
[12] قمنا بترجمة النسخة العربية الأصلية لهذا النص، التي أعيد نشره في مؤلف بلكبير، 2021، ص. 264-265. وهناك ترجمة انجليزية جديدة تم نشرها في العدد الأخير من Souffles (أو، أنفاس) تحت عنوان، "فلسطين المغرب" أنظر الرابط الدائم: https://www.soufflesmonde.com/posts/moroccan-jews-statement-against-displacement-1961
[13] مدغري العلوي، ع. (غير مؤرخ) Tendances de la littérature marocaine actuelle: l’exemple de E.A El-Maleh et A. Serhane (اتجاهات الأدب المغربي المعاصر: نموذجي ادمون عمران المالح و أحمد سرحان)، متاح على الرابط الدائم التالي: https://www.limag.com/Textes/Manuref/MdarhriMalehSerhane.htm.
[14] "ادمون عمران المالح، حضور قوي على الساحة الثقافية الوطنية،" ديسمبر 2023، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب.
[15] الجمعية العامة المنعقدة يوم 28 يونيو 2009، AP 46 6 المؤسسة الثقافية اليهودية المغربية، رصيد أرشيفي في ملك شمعون ليفي، أرشيف المغرب، الرباط، المغرب.
[16] الركراكي، ع. (2023)، "الوجه الآخر لليهود الغاربة في إسرائيل." جريدة الأيام بتاريخ 13 ديسمبر، ص. 12.
[17] لمزيد من التفاصيل حول الكيفية التي همشت بها الصهيونية الجماعات المزراحية والسفرادية، أنظر مقالة لشوحاط تحمل عنوان “Sephradism in Israel: Zionism from the Standpoint of its Jewish Victims.” (السفرادية في إسرائيل: الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها اليهود)، ضمن مؤلف جماعي ل إ. شوحاط، (محررة)، بخصوص العربي اليهودي، فلسطين، وعمليات تهجير أخرى: كتابات مختارة لإيلا شوحاط، منشورات بلوتو، ص. 37-76.
[18] الركراكي، 2023، ص. 13-14.
[19] في أكتوبر من سنة 2024، تم الإعلان عن استبدال "المركب الثقافي محمد جمال الدرة،" وجعله ملحقة ل"المعهد الوطني للفنون الجميلة،" الكائن بتطوان. أنظر: سليماني، م. (2024)، "إقبار مركب ثقافي حيوي بأكادير،" الأخبار، 15 أكتوبر. وقد قوبل حذف اسم محمد جمال الدرة بانتقادات واسعة على مواقع التواصل، انظر لمقال مجهول المصدر صدر سنة 2024، تحت عنوان "انتقادات بشأن تغيير اسم المركب الثقافي جمال الدرة بأكادير" الإصلاح، 17 أكتوبر.
[20] غرفة الأخبار. (2020). «سيادة المغرب على الصحراء/ تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل: بيان المكتب الملكي». مجلة Tel Quel، 10 ديسمبر. متاح على الرابط: https://telquel.ma/2020/12/10/souverainete-du-maroc-sur-le-sahara-normalisation-des-relations-maroc-israel-le-communique-du-cabinet-royal غير مؤرَّخ. (2021). «التطبيع المغربي مع إسرائيل: اتفاق مؤقت أم سلام دائم؟» المركز العربي – التطبيع مع إسرائيل. متاح على الرابط: https://arabcenterdc.org/resource/moroccan- normalization-with-israel-temporary-deal-or-permanent-peace/الكويتي، س. (2025). "مبادرة المغربيات ضد التطبيع: محاولة لنفي الدعم لفلسطين." الجزيرة نت، 28 فبراير. واشنطن العاصمة، 8 يوليو. متاح على الرابط الدائم: https://arabcenterdc.org/resource/moroccan-normalization-with-israel-temporary-deal-or-permanent-peace/ ؛ لشهب، إ. (2024). «مسح ميداني: 98% من المغاربة يؤيدون القضية الفلسطينية ويعارضون التطبيع مع إسرائيل». هسبريس في صيغتها الإنجليزية، 15 ديسمبر. متاح على الرابط: https://en.hespress.com/98400-survey-98-of-moroccans-support-palestinian-cause-oppose
[21] انظر مثلا الروابط الدائمة الآتية: https://www.facebook.com/aamicup; https://www.facebook.com/hanoukha; https://facebook.com/groups/317498142825400; https://web.facebook.com/groups/535016609913844/.
[22] مع الأسف، لم تعد العديد من التقارير الصادرة عن وكالات تمويل رئيسية، مثل USAID (الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية)، متاحة للمراجعة. أما الرسالة الحالية التي تشير إلى عدم توفر هذه الموارد على موقع “USAID Dakira” التي مولت بشكل خاص أعمال التراث اليهودي في المغرب فمازالت متاحة على الرابط الدائم: https://pdf.usaid.gov/pdf_docs/PA00Z6ND.pdf. ونفس الشيء ينطبق على الورقة المعلوماتية الخاصة ب “USAID Dakira” لكن الى غاية 3 مارس 2025 فقط على الرابط الدائم: https://assets.highatlasfoundation.org/uploads/Dakira-Factsheet_February-2023.pdf.
[23] للمزيد من المعلومات بخصوص هذا التقليد المعهود في الحفاظ على التراث اليهودي، أنظر: بيتون (2022).
[24] انظر الى الروابط التالية: https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=1052307756167135&id=10004137617549&mibextid=0x5AEW&rdid=bf4CdE4fgiX18CtZ&share_url=https%A%F%Fwww.facebook.com%Fshare%2Fp%FJzSB9esfbrznJWu6%F%Fmiextid%3Dox5AEW
[25] وِند، م. ) Towers of Ivory and Steel (2024) أو أبراج العاج والفولاذ)، دار فيرسو للنشر.
[26] هذا هو الهدف المُعلن لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) في مختلف أنحاء العالم. لمزيد من المعلومات، انظر:
https://www.bdsmovement.net/what-is-bds
[27] أوبلانك، أ. (2023) "تطبيع المغرب لعلاقاته مع إسرائيل مهدَّد بسبب الحرب" جريدة. لوموند، 17 أكتوبر.
https://www.lemonde.fr/en/le-monde-africa/article/2023/10/17/morocco-s-normalization-of-relations-with-israel-jeopardized-by-war_6180014_124.html.
[28] أنظر خبر وزارة الشؤون الخارجية: "ناصر بوريطة يترأس جلسة طارئة على مستوى وزراء الخارجية في جامعة الدول العربية لمتابعة التطورات في فلسطين" على الرابط الدائم: https://diplomatie.ma/en/mfa-nasser-bourita-chairs-extraordinary-session-arab-league-council-level-foreign-ministers-developments-palestine
[29] وكذلك الخبر التالي: "بوريطة يمثّل صاحب الجلالة الملك محمد السادس في قمة السلام التي انعقدت في القاهرة" على الرابط الدائم التالي: https://diplomatie.ma/en/mfa-nasser-bourita-represents-hm-king-mohammed-vi-summit-peace-cairo.
[30] م.ع. (2024)، "المغرب يدعو إلى إنهاء فوري للحرب الإسرائيلية على غزة"، وكالة المغرب للأنباء، 27 نوفمبر. أنظر الرابط التالي: https://www.mapnews.ma/en/actualities/morocco-calls-immediate-end-israeli-war-gaza
[31] أوبلان، أ. (2024)، "المغرب في طريقه لأن يصبح دولة مصنعة نادرة للطائرات المسيرة العسكرية بفضل التعاون مع إسرائيل." 9 مايو. أنظر الروابط الآتية:
https://www.lemonde.fr./en/le -monde-africa/article/2024/05/09/morocco-to-become-rare-military-drone-manufacturer-thanks-to-cooperation-with-israel_6670920_124.html.
[32] أنظر الرابط الدائم التالي:
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=881174627367903&set=pb.100064261226671 .-2207520000&type=3.
[33] انظر، على سبيل المثال، حالة إسماعيل الغزاوي وآخرين، كما ورد في مقال العطي، ب. (2025)، "محكمة مغربية تفرج عن إسماعيل الغزاوي، الناشط المؤيد لفلسطين والمناصر لحركة المقاطعة عقب موجة استنكار دولية،" العربي الجديد، 5 فبراير.
[34] دجينيغز، ر. (2023)، "تيك-توك لا يخلق دعما زائفا لفلسطين، بل يعكس ما هو موجود بالفعل." موقع فوكس، 13 ديسمبر 2023.
[35] حمودي، عبد الله (1993)، "الضحية وأقنعتها: مقالة في طقوس الذبح والتنكر في المغرب الكبير، جامعة شيكاغو: منشورات جامعة شيكاغو.