دعونا نستهل هذه المقالة التي تتناول العلاقات الإفريقية-العربية بتقديم نموذجين للمصالحة كما شاهدتها مجتمعات مغايرة أخرى. ويتمثل النموذج الأول في العلاقات الأنغلو-أمريكية، حيث يمكن تتبع مسار الانتقال من حالة عداء الى روح من الاخوة باتت تمُيز علاقة الشعب البريطاني بنظيره الأمريكي. ويمتد هذا المسار من أواخر القرن الثمن عشر إلى غاية اندلاع الحرب العالمية الأولى. فهل ثمة، يا تُرى، دروس يمكن استخلاصها من هذا المسار، تكون ذات صلة وعبرة بالنسبة للعلاقات التاريخية بين العرب والأفارقة؟

أما النموذج الثاني للمصالحة فيرسم مسار التحول من حالة عداء الى صداقة  باتت تجمع ما بين الولايات المتحدة واليابان، وهو مسار يبتدأ في سنة 1941 وينتهي في تسعينيات القرن الماضي. ومرة أخرى نتساءل عما إذا كانت هناك من دروس أخرى مستقاة من هذا النموذج الأمريكي-الياباني يمكن أن تُفيد في فهم العلاقات الإفريقية-العربية من منظور تاريخي؟  لنتأمل، اذن، هذين النموذجين للمصالحة عن كثب.

بالرجوع الى سنة 1776، نذكر أن الامريكيين أقدموا على التمرد على البريطانيين، وهو تمرد ما لبث أن تحول الى حرب من أجل الاستقلال. وعلى مدى قرن من الزمن، أضحى الشعب البريطاني في أعين الامريكيين من أكثر الشعوب استحقاقا للبُغض، وكان هذا من ضمن الاسباب في اندلاع حرب أخرى بين أمريكا وبريطانيا لاحقا، في سنة 1812. أما اليوم، فبريطانيا تُعدُّ من أكثر الحلفاء قربا للولايات المتحدة، بل أوثقهم صلة بواشنطن حتى بالمقارنة مع إسرائيل أو كندا. وهكذا نرى بأن جراح 1776 و1812 لم تلتئم فحسب، بل سمحت للبلدين ببناء هوية مشتركة تمتاز بالعمق والمتانة.

وفي عام 1964 اندلعت ثورة في زنجبار ضد حكومة ذات قيادة عربية وضد نظام ملكي عُماني اعتُبِر غريبا. وشهدت تلك المرحلة المريرة سفك دماء، مقرون بكراهية متنامية بين العرب المتسواحلين، من جهة، والسواحليين المستعربين، من جهة أخرى. وقد بلغ رهاب العرب في أجزاء من شرق إفريقيا مستويات غير مسبوقة، وبالموازاة مع ذلك باتت كراهية الأفارقة في بعض أرجاء العالم العربي واضحة للعيان. صحيح، لقد انقضى قرن بكامله قبل أن يكف الأمريكيون والبريطانيون عن تبادٌل الضغائن، بل تطلب الأمر زمن أطول من ذلك قبل أن يؤولوا إلى خُلّةٍ صافية وصداقة وثيقة.

لكن أَمِنَ اللازم، فيما تعلق بالعلاقات بين الأفارقة والعرب، أن ننتظر قرنا من الزمن حتى يتسنى لجراح الماضي أن تندمل؟ أليس المثال الذي ينبغي أن يُحتذى به هو المثال الأمريكي-البريطاني، بحيث أن الصفح، ولئن جاء بعد حين وببطء شديد، إلا أنه لما استقر، كان عميق الأثر، راسخ الجذور؟ أم أن المثال الأجدر بالاعتبار هو ما جرى بين اليابان والولايات المتحدة؟ وللتذكير فقد أقدمت اليابان عام 1941 على غدر صراح، بقصفها لميناء "بيرل هاربر" من دون سابق اعلان للحرب على الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى إثر ذلك، وصف الرئيس الأمريكي ذلك اليوم بأنه "يوم موسوم بالعار." وكان للأمريكيين من الدواعي ما يُسوغ لهم بغضهم الشديد لليابانيين.

غير أنه في أغسطس من عام 1945، ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتين ذريتين على مدينتي "هيروشيما" و "ناغاساكي"، فأصبح اليابانيون أول ضحايا العصر النووي المُخيف. قتُل الآلاف شر قتلة وكان مصير الكثيرين التشوه لأجيال لاحقة. وصار لليابانيين بدورهم سبب وجيه لكي يكرهوا الأمريكيين.

ومع ذلك، وفي غضون فترة من الزمن استغرق أقل من جيل، أصبحت الولايات المتحدة واليابان حليفتين سياسيتين كبيرتين وشريكتين تجاريتين عظيمتين. ومن المُلفت أن التسامح بين الأمريكيين واليابانيين كان سريعا، لكن هل يمكن وصفه بالسطحي؟ في المقابل كان التسامح بين بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية بطيئا، لكن هل كان عميقا، بالفعل؟    

من المحتمل أن يتخذ التصالح بين العرب والأفارقة موقعا وسطا بين نموذج المصالحة الأمريكية-البريطانية (الذي اتسم بالبطء والعمق) ونموذج المصالحة الأمريكية-اليابانية (الذي تميز بالسرعة والسطحية). وبعبارة أخرى، من الجائز أن تكون المصالحة العربية-الإفريقية أقل بطئا من الأخوة الأنجلو-أمريكية، وأعمق من المصالحة الأمريكية-اليابانية بشكل ملحوظ. لكن وجب التذكير بأن المصالحة العربية-الإفريقية لا تتطلب فقط تجاوز ذكريات ثورة زنجبار، بل تمتد، وبشكل أعمق، لتشمل ذكريات الدور العربي في تجارة الرقيق بإفريقيا. فهل يمكن نسيان آلام الماضي؟

ما من شك بأن الاتجاهات العالمية الحالية في النظام العالمي الجديد تفرض تسريع وتيرة المصالحة والتكامل بين العرب والأفارقة. وقد تضفي الاستمرارية التاريخية والجوار الجغرافي المزيد من العمق على العلاقات المستقبلية بين إفريقيا والعالم العربي. لكن لا بد من اتخاد خطوات مُتبصرة سعيا وراء أشكال متجددة من التضامن، ذلك لأن التصالح مع الماضي أمر، وبناء مستقبل جديد أمر آخر وضرورة أعظم.

فها هي الحواجز الإيديولوجية التي تفصل بين دول الهند-الصينية وباقي دول جنوب شرق آسيا بدأت تتداعى وتتساقط، شأنها في ذلك شأن الحواجز الإيديولوجية الفاصلة بين أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية الآخذة في التساقط، أيضا. فهل ستتفكك الجدران الفاصلة بين إفريقيا والعالم العربي كجزء من التغيرات الجارية المُوَاكِبة للنظام العالمي الجديد؟

يمكن القول بأن بعض الحواجز التي تفصل بين الأفارقة والعرب زائفة بقدر ما كانت الانقسامات القائمة بين السلاف والألمان زائفة. وقد دار نقاش واسع حول الطبيعة الاصطناعية للصحراء الكبرى كحاجز يفصل بين إفريقيا العربية وإفريقيا السمراء. لكن الأمر الأكثر اصطناعية وزيف يتمثل في اعتبار البحر الأحمر حاجزا فاصلا بينها. ألا يتعين علينا اليوم، ونحن نعيش في ظل النظام العالمي الجديد، أن نعيد تقييم هذه الحدود القديمة المزعومة، وأن نعيد تحديد هوياتنا بنفس المناسبة؟

مفهوم "أفرابيا":

نظر الفرنسيون ذات يوم بإمعان في طبيعة علاقتهم الخاصة بإفريقيا، فصاغوا مفهوم "أورافريكا" من أجل التأسيس لتعاون مميّز بين الجانبين. ونحن، بدورنا، يجدر بنا أن نتأمل في العلاقة الأجرأ والأعمق بين إفريقيا والعالم العربي، وأن نطلق عليها اسم "أفرابيا".

يجب التذكير بأن السواد الأعظم من العرب يعيش في القارة الإفريقية، كما أن معظم الأراضي العربية تقع ضمن المجال الجغرافي لإفريقيا. بل إن عدد المسلمين في نيجريا، على سبيل المثال، يفوق عدد نظرائهم في أي قطر عربي، بما في ذلك مصر. وبعبارة أخرى، فإن جموع المسلمين في نيجريا يفوقون المسلمين في مصر عددا. وعلى صعيد أوسع، فإن إفريقيا في طريقها لأن تصبح أول قارة في العالم على الاطلاق تحظى بإيواء أغلبية سكانية مسلمة.

إلا ان مفهوم "افرابيا" لا ينحصر في مدى انتشار اللغات والتضامن الديني فقط، بل أن التفاعل الحضاري الديناميكي المذكور أسفر عن نشوء كيانات عرقية جديدة متكاملة. وعليه يُمكن اعتبار ظهور جماعات كوشية، التي تضم الصوماليين، في منطقة القرن الإفريقي مثالا بارزا على ذلك. كما لعبت عمان واليمن والمملكة العربية السعودية أدوارا محورية في تشكيل مجتمعات عِرقية جديدة بالكامل على امتداد الساحل الشرقي لإفريقيا. وهكذا فإن الثقافة السواحيلية والدول المدن السواحلية—بامتدادها الحضاري—قد اختزلت حقبة كاملة من تاريخ إفريقيا وإرثها الحضاري. أما عمان فتتبوأ منزلة بارزة في التاريخ الحديث والموروث السواحلي، عل حد سواء.

كما أن شعوب إريتريا الباسلة تشكل جزءا أصيلا من جسر "أفرابيا." وحتى الامازيغ (البربر) يمثلون حالة فريدة ضمن هذا النسيج، بحيث أن التسمية "إفريقيا" بنفسها يُرجَّحُ أن تكون قد نشأت في إحدى لغات الأمازيغ، وكان الاسم في الأصل يُطلق على ما صار يعرف اليوم بتونس. وهكذا إذن، فإن القارة الإفريقية بأكملها قد اكتسبت اسمها من المنطقة التي تعرف اليوم ب"إفريقيا العربية." فهل ثمة حجة أبلغ من هذا على صحة مفهوم "أفرابيا"؟

ثم إنه بالإضافة الى الهجرات والتحركات السكانية التي تواصلت على مدى قرون من الزمن بين إفريقيا والجزيرة العربية، هنالك أدلة تشير الى وجود مستوطنات عربية على الساحل الشرقي لإفريقيا وفي منطقة القرن الإفريقي، يعود تاريخها الى ما قبل ميلاد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). كما لا يجب أن ننسى بأن أول مؤذن عظيم في الإسلام كان هو سيدنا بلال، وهذا الأمر يُعد دليلا آخرا على الوجود الإفريقي في مكة والمدينة خلال الفترة الزمنية التي سبقت ظهور الإسلام. لقد عاش بلال في المنطقة قبل إسلامه، ووجوده هناك يُجسِّد الصلات العربية المتجذرة بإفريقيا. وخلاصة القول، فإن "أفرابيا" ظاهرة سبقت الهجرة النبوية بنفسها.

أما تواجد الإسلام بإفريقيا فلا يقل قدما عن تواجده بالجزيرة العربية. من المعلوم أنه خلال الأيام الأولى للدعوة الإسلامية، حينما كان النبي محمد واتباعه يتعرضون للاضطهاد في مكة، وجد المسلمون ملاذهم الديني الآمن بإثيوبيا. هذا وكشفت تنقيبات أثرية في شرق إفريقيا عن بقايا مساجد تعود إلى العقود الأولى من صدر الإسلام. وبذلك، يكون الإسلام بوصفه عاملا مؤثرا في نطاق "أفرابيا" (مجال التلاقي بين إفريقيا والجزيرة العربية) ضارب في القدم أيضا، إذ تمتد جذوره الى ما يربو على أربعة عشر قرنا.

ومما لا شك فيه أن للغة تأثير واضح على "أفرابيا" إذ لاتزال العربية هي اللغة التي تحظى بأكبر عدد
من المتحدثين الأصليين في القارة الإفريقية. أما أكثر اللغات الإفريقية المحلية تأثيراً فهي السواحيلية (الكيسواحيلية) في شرق إفريقيا و"الهوساوية" في غربها، حيث تأثرت كلتاهما تأثيراً عميقاً باللغة العربية والإسلام، وهذا الأمر يُعد تجلياً ناصعاً لحقيقة "أفرابيا" أيضا.

من الجلي إذن أن الروابط اللغوية قد نشأت بين إفريقيا والجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام بزمن بعيد. والمثير هنا أن الجميع يعلم بأن اللغة العربية تنتمي إلى عائلة اللغات السامية، لكن قلة فقط تعرف أن "الأمهرية،" وهي اللغة السائدة في إفريقيا، هي الأخرى سامية الأصل. بل إن المؤرخين منقسمين حول أصول هذه اللغات: أهي نشأت في إفريقيا قبل عبورها البحر الأحمر، أم نشأت في شبه الجزيرة العربية قبل ان تنتقل إلى إفريقيا لاحقا؟ تمثل مثل هذه الإشكاليات جوهر حقيقية "أفرابيا" ومكمن تداخل هويتها.

وإذا ما أمعنا النظر في النظام العالمي الجديد، سنُلاحظ وجود مسارين يتكاشفان في آن واحد، يسعى كلاهما الى إعادة تشكيل الدولة القومية: فمن جهة، تعمل القوى التفكيكية على تمزيق النسيج الوطني عبر إذكاء نزعات الانفصال—ويشكل تفكك الاتحاد السوفياتي أبرز الأمثلة إثارة في هذا الصدد. وبالموازاة مع ذلك، تسعى القوى التكاملية إلى بناء كيانات اقتصادية وسياسية أوسع وأشمل. وهكذا فقد صادف عام 1992 مسار تمهيد الطريق أمام بلدان المجتمع الأوروبي لتعميق تكاملها الاقتصادي، وذلك من أجل تحفيز المزيد من الدول على الانضمام للاتحاد قبل متم القرن العشرين.

ولعل أكثر حالات التفكك خطورة ضمن نطاق الدولة الواحدة على مستوى العالم العربي هي تلك التي يشهدها كل من العراق ولبنان والسودان. فالعراق مسرح للقمع المركزي في مواجهة تحديات النزعات الانفصالية العِرقية، حيث دأب الأكراد والشيعة على الاحتجاج بين الفينة والأخرى، بل وحتى على استعمال الأسلحة في بعض الأحيان. وفي لبنان ما زالت جراح الانقسامات الطائفية التي تمزق نسيجه لم تلتأم بعد. أما في السودان، فالدولة لا تعاني من ويلات الحرب الأهلية في الجنوب فحسب، بل تشهد توترات دينية وسياسية متنامية في الشمال، أيضا. حالة التفكك هذه بإفريقيا لا تنحصر في السودان فحسب، بل تُلقي بظلالها على كل من إثيوبيا وليبريا والصومال، والسنغال، وبحدة أقل، حتى على نيجيريا، بفعل تنامي النزاعات الانفصالية العرقية.

إلى جانب القوى التفكيكية على الصعيد الوطني، هنالك أيضا قوى جهوية تزيد من وطأة التشرذم، ان على مستوى القارة السمراء أو العالم العربي. ومما لا شك فيه أن أزمة الخليج التي عصفت بالمنطقة بين سنتي 1990 و1991، كانت من أكثر الأحداث إثارة ودلالة على الانقسام الذي طال الجسم العربي في التاريخ الحديث، بحيث أنه خلال شهر أغسطس من سنة 1990، تحقق سيناريو كان من الأمور المُستبعدة كليا، حينما اجتاحت دولة عربية (وهي العراق) دولة عربية أخرى بكاملها (وهي الكويت) وضمتها. وفي سنة 1991 كذلك، حدث شيء آخر لا يمكن تصوره، حتى، حينما أقدمت دول عربية على إمطار مدن عربية أخرى آلفة وآمنة بالقنابل والصواريخ. وما زالت جروح هذه الاحداث وما تلتها من انقسامات تدمي في جسد العالم العربي. بالمقابل لم تستهل إفريقيا عقد التسعينيات وهي تعاني من انقسامات إقليمية بالعمق والحدة التي عرفها العالم العربي، غير أن الوضع الاقتصادي الذي ساد بها خلال العشرية المذكورة كان بالغ القسوة، مما أضعف الإرادة السياسية الساعية لتحقيق الوحدة الإفريقية. ثم إن تطورات إيجابية شهدتها القارة خلال السنوات الأولى من التسعينيات قد أدت، عن غير قصد، إلى إضعاف الالتزام بمشروع الوحدة الإفريقية. ولئن كانت هذه الفترة التي دشنت مسار نهاية الفصل العنصري (أو، الأبارتايد) بمثابة أخبار سارة لإفريقيا والبشرية جمعاء، إلا أن النضال ضد هذا النظام ظل، ولزمن طويل، يشكل قوة عظيمة وموحدة للقارة، لا تقل من حيث مدى تأثيرها المُوحِّد عن دور النضال ضد الصهيونية في العالم العربي. وفيما لا تزال الصهيونية عتية ومتحدية، بدى وكأن نظام "الأبارتايد" آخذ في التصدع والتداعي للسقوط. هكذا إذن يبدو وكأن القومية الإفريقية بصدد دفع ثمن نجاحها، ذلك لأن نهاية نظام الفصل العنصري قد تعني حرمان هذه الحركة من عامل توحيد محوري.

أما الاتجاه الإيجابي الآخر بإفريقيا خلال عامي 1990 و1991، فقد تمثل في النضال من أجل تعزيز الديموقراطية –وهو مسار واسع النطاق امتد من دار السلام الى داكار، ومن لوساكا الى لاغوس، وكذا من الجزائر الى كينشاسا. وصارت قوى عدة تُطالب الحكام الأفارقة بضرورة تحملهم لمسؤولياتهم وخضوعهم للمحاسبة. لا يمُاري أحد في أن دمقرطة إفريقيا تُعدُّ تطورا محمودا ومشجعا، إلا أنها حولت مناط اهتمام المواطنين في اتجاه القضايا المحلية في كل بلد على حدة، عوض التركيز على القضايا القارية، خاصة منها تلك المتعلقة بمجهودات الوحدة الإفريقية. وهكذا كان الأثر الإقليمي للنشاط الرامي الى تعزيز الديموقراطية في مجمله تفكيكيا، على المدى القصير، على الأقل.

وفيما لايزال كل من العالم العربي وإفريقيا يعانيان من الانقسام السياسي الداخلي، في الوقت الراهن، فإن الارتباط الثقافي بين المنطقتين ما انفك يتعزز بفعل عوامل تاريخية وجغرافية. وبالرجوع الى الوراء، نلاحظ بأنه خلال حقبة من الزمن الغابر كانت شبه الجزيرة العربية، كما نعرفها اليوم، جزءا لا يتجزأ من الكتلة الأرضية الإفريقية. دعونا اذن ننظر عن كثب الى بعض الدروس الجيوفيزيائية ل"أفرابيا."

القارة السمراء والبحر الأحمر؟

إن الفرضية المحورية التي نطرحها في هذا الفصل من البحث تؤكد بأن البحر الأحمر لا يؤسس لشرعية فصل إفريقيا عن الجزيرة العربية. فما هو موقع إفريقيا، إذن؟ وما طبيعة هذه القارة؟ وما مدى معقولية الحدود التي وُضعت لها؟ يلاحظ بأنه من الممكن إيجاد جزر تبعد عن إفريقيا بمسافات كبيرة ومع ذلك تعتبر جزءا من القارة، مالم تكن قريبة جدا من كثلة برية رئيسية أخرى، بالطبع. وفي المقابل يمكن تجريد شبه جزيرة بكاملها من هويتها الإفريقية بشكل تعسفي.

فعلى سبيل المثال يبلغ عرض قناة موزمبيق التي تفصل مدغشقر عن الكتلة القارية الإفريقية 500 ميلا، بينما لا يفصل اليمن الكبرى (بشبه الجزيرة العربية) عن جيبوتي سوى مسافة قصيرة. ومع ذلك، فإن مدغشقر تعد جزءا سياسيا من إفريقيا، بينما لا تعتبر اليمن الكبرى كذلك. ولكن، ما دام الأمر كذلك، لما لا ندفع بحدود شمال إفريقيا إلى أبعد حد ممكن باتجاه المشرق، بحيث تضم الجزيرة العربية برمتها؟ لماذا نرفض الإقرار بكون بالبحر الأحمر لا يشكل فجوة فاصلة، على غرار رفض "القومي الإفريقي" الاعتراف للصحراء الكبرى بهذا الدور؟ ألا يجدر بنا أن نجزم بأن أطراف القارة الإفريقية لا تنتهي عند الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى، ولا حتى عند الشاطئ الغربي للبحر الأحمر؟ أليس من المفيد أن نوسع مجال إفريقيا شمالا لتصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وشرقا لتصل إلى الخليج العربي. أما حان الوقت لإطلاق تسمية "أفرابيا" على هذا التصور الجديد لهذا المجال الافريقي؟

الحقيقة أن البحر الأحمر لم يحظى بما يكفي من الاهتمام في التاريخ الإفريقي، بحيث اختُزلت أهميته في رسم حيثيات حدود القارة مع اغفال شبه تام لمجموعة من الأدلة الجيولوجية والجغرافية والتاريخية الدامغة. وبعبارة أخرى، فقد تم تحديد التخوم الشمالية الشرقية للقارة اعتمادا على شريط مائي، في حين تم تجاهل الأدلة البيئية والثقافية المعتبرة التي تفيد بعكس ذلك.

ويعود أصل هذه الإشكالية، في الحقيقة، إلى ما قبل ثلاثة إلى خمسة ملايين سنة، عندما حدثت ثلاث تصدعات على الجانب الشرقي لإفريقيا، وبهذا الصدد، وكما يوضح" كولين مكيفيدي": "أدت احدى هذه التصدعات إلى انفصال الجزيرة العربية، مما شكل خليج عدن والبحر الأحمر وقلّص من مسافة التماس بين إفريقيا وآسيا محولا إياها الى مُجرد برزخ سُمي، لاحقا، بالسويس" (2) والجدير بالذكر أنه قبل انفصال البحر الأحمر، حدث انفطار في القارة الإفريقية نفسها، نتج عنه بروز البحر الأحمر كحاجز طبيعي. وبهذا نرى، أن القشرة الأرضية لإفريقيا قد تعرضت لثلاث تصدعات ومع ذلك أُعتبر التصدع الذي نتج عنه نشوء بحر عنصرا كافيا "لانتزاع" الصفة الإفريقية، من كل ما يقبع وراء ذلك البحر. هذا وأدى التصدعان الآخران إلى تكون "أخاديد انهدامية"، وهي عبارة عن خنادق ذات جدران مستقيمة يبلغ متوسط عرضها ثلاثون ميلا. لعب الأخدان الشرقي والغربي دورا محوريا في تعزيز تماسك إفريقيا، غير أن ظهور شريط مائي سمي بالبحر الأحمر أدى إلى انفصال الجزيرة العربية عنها جيولوجيا.  

ومهما يكن الأمر، فإن كل ما فرقته التصدعات الجيولوجية في العصور الغابرة، ما فتأت قوى الجغرافيا والتاريخ والثقافة تحاول جاهدة أن تعيد صلات وصله. وما "الأمهارا" في إثيوبيا، إلا شعب من المحتمل أن يكون منحدرا من أصول عربية جنوبية؟ وما اللغة "الأمهارية" إلا لغة سامية، علما بأن اللغات السامية بنفسها لا تعدو أن تكون فروعا من عائلة اللغات الأفروآسيوية؟ فهل، يا ترى، نشأت اللغة السامية الأم بإفريقيا ثم عبرت البحر الأحمر بعد ذلك، أم أن أصولها تعود الى شبه الجزيرة العربية، ثم انتشرت في أوساط شعوب "الأمهارا" "التيغر" و"الهوسا" بإفريقيا؟ والى أي حد يمكن اعتبار الصوماليين بمثابة صلة الوصل بين الجزيرة العربية وإفريقيا؟ هذه كلها أسئلة لغوية ثقافية تثير قضية أساسية وهي ما إذا كان الانفصال الجيولوجي للجزيرة العربية وإفريقيا قبل ثلاثة الى خمسة ملايين سنة، قد بدأ تجسيره بالغعل بفضل "أفرابيا"، وهو مفهوم يفيد بوجود تكامل ثقافي حميم ووثيق بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي وباقي القارة.

أما في المجال اللغوي لم يعد من السهل تحديد النقطة الذي تنتهي عندها اللغات الإفريقية الأصلية ويبدأ عندها التيار "السامي"، ولفترة من الزمن ساد الاعتقاد بأن كل من الحاميين والساميين كانوا في الأساس غرباء عن إفريقيا. ثم جاءت مرحلة لاحقة أُعيد فيها تصنيف الحاميين كفئة وهمية، واعتبرت شعوب أخرى (مثل شعب التوتسي) إفريقية بلا أدنى شك. لكن ماذا يسعنا القول بخصوص الساميين؟ وجود هؤلاء في التاريخ العالمي ليس محط شك، لكن يبقي السؤال القائم هو التالي: هل كان هؤلاء أفارقة عبروا البحر الأحمر—كما فعل موسى، هربا من بطش الفرعون؟ أم أن الساميين كانوا في الأصل "عربا" اخترقوا إفريقيا؟ كان بالإمكان حل مثل هذا الأسئلة العسيرة المتعلقة بالهوية بين عشية وضحاها لو أن شبه الجزيرة العربية شكلت جزءا لا يتجزأ من إفريقيا، أو لو تَيسَّر احداث نوع جديد من التضامن في إطار "أفرابيا."    

بخصوص القارة والثقافة:

يمكن القول بأنه مع بزوغ الإسلام وانتشاره، بلغت الجهود الرامية إلى إعادة دمج الجزيرة العربية وإفريقيا بعد الانفصال الجيولوجي—الذي حدث قبل حوالي خمسة ملايين سنة—مرحلة جديدة وكان الفتح العربي لشمال إفريقيا بمثابة عملية تسعى لتجاوز الانقسام الذي أحدثه البحر الأحمر.

وهكذا انطلقت عمليتان توأم بشمال إفريقيا: التأسلم (وهو التحول العقدي الحاصل عبر اعتناق الدين الجديد الذي أتى به محمد (صلعم)، والتعريب (وهو الاستيعاب اللغوي في لغة الضاد، لغة العرب). ومع مرور الزمن، أصبحت الغالبية العظمى في شمال إفريقيا ترى بأن مدى انتمائها للعروبة لا يقل أهمية وعمقا عن نظرائها في شبه الجزيرة العربية. وباختصار، عمل "التأسلم" و"التعريب" وهما قوتان مضادتان على ردم الهوة الجيولوجية التي أحدثها البحر منذ ملايين السنين. إلا أن أهالي شمال إفريقيا وجدوا أنفسهم أمام معضلة: هل هم أفارقة حقا، بقدر ما هم عليه سكان الشعوب الواقعة جنوبا؟ ولكن يبقى السؤال الذي لم يطرح بعد هو التالي: هل يمكن اعتبار العرب المتواجدين شرقي البحر الأحمر أفارقة بقدر ما هم عليه نظرائهم بالمنطقة الواقعة شمالي الصحراء الكبرى؟

لكن إذا كان من الجائز تجاهل البحر الأحمر في رسم الحدود الشمالية الشرقية لإفريقيا، فلماذا يا ترى لا يُسمحُ بتجاهل البحر الأبيض المتوسط بصفته حدا شماليا خارجيا؟ لقد كان هناك بالفعل زمن عُدّت فيه منطقة شمال إفريقيا امتدادا طبيعيا لأوروبا. ويعود ذلك الى عهود كل من قرطاج، والاستعمار الهيلينستي، والإمبراطورية الرومانية، لاحقا. وكان مفهوم "أوروبا" حينئذ، في طور التكوين، في أفضل الأحوال، وكما يقول المؤرخان آل بالمر وجويل كولتون: "طوال العصور القديمة لم يكن هناك كيان يُعرف ب"أوروبا"، فخلال حقبة الإمبراطورية الرومانية، كان المجال مجالا متوسطيا بامتياز، يتشكل من قسمين اثنين، غربي وشرقي، لاتيني ويوناني، تِباعًا، الا أن القسم الغربي كان يضم أجزاء من إفريقيا، بالإضافة إلى أوروبا..." (3).

والجدير بالذكر أنه وإلى زمن مُتأخر، أي الى حدود القرن السابع عشر، ظلت الفكرة القائمة على انفصال الكتلة الأرضية الواقعة جنوب البحر المتوسط عن مثيلتها في الضفة الشمالية، مجرد مُقترح صعب الاستيعاب. وبهذا الصدد يوضح أحد كبار المتخصصين في الدراسات الإفريقية، وهو الأمريكي، ميلفيل هيرسكوفيتس، كيف أنصف جُغرافِيّ الملك في فرنسا القارة الإفريقية بوصفهم لها بأنها "شبه قارة شاسعة للغاية، لدرجة أنها باتت تشكل الجزء الثالث، وهو الجزء الجنوبي من قارتنا" (4).

هذا وقد شهدت الاطروحة التقليدية اليائسة التي كانت تنظر الى شمال إفريقيا باعتبارها النطاق الجنوبي لأوروبا آخر تجلياتها في العصر الحديث من خلال محاولة فرنسا الإبقاء على الجزائر ضمن المجال الترابي للدولة الفرنسية. إلا أن هذه الأسطورة المستميتة التي اعتبرت الجزائر مجرد امتداد جنوبي لفرنسا، انتهت بتفكيك نسيج الأمة الفرنسية خلال العقد الخامس من القرن الماضي، وأشعلت الأزمة التي قذفت بالجنرال شارل ديغول إلى سُدّة الحكم عام 1958، وظلت تغدي حالة من التوتر بين التيار اليميني واليساري في فرنسا حتى 1962، مُخلِّفة وراءها إرثا من الإحن والمرارة دامت إلى ما بعد انتهاء مسيرة ديغول السياسية.

ومن جهة أخرى فقد تزامن هذا المسعى المستميت للاحتفاظ بالجزائر باعتبارها الحيز الجنوبي لأوروبا مع التحول الطارئ على شمال إفريقيا من خلال انبساط العالم العربي غربا. والواقع أنه منذ مطلع القرن السابع الميلادي، ساهم الإسلام، وما واكب انتشاره من تعريب، في إعادة تشكيل هوية المنطقة بصفة جوهرية. وبما أن الحدود الجغرافية لإفريقيا كانت تنتهي عند البحر الأحمر، أصبح العرب شعبا ثُنائي القارة، يستعصي تصنيفه بشكال قاطع على أنه "إفريقي" أو "اسيوي". بل إن الواقع يشير إلى أنه بحلول القرن العشرين، كان السواد الأعظم من العرب يعيشون في مناطق تقع غرب البحر المتوسط (أي في إفريقيا بمفهومها الجيوسياسي)، في حين تقع غالبية الدول العربية شرقه (فيما يعرف بغرب آسيا).

وتجدر الإشارة هنا الى أن المتكلمين باللغة العربية في القارة الإفريقية أوفى عددا من نظرائهم بشبه الجزيرة العربية، بل إن لغة الضاد أضحت بالفعل أهم لغة منفردة على مستوى القارة السمراء من حيث عدد الناطقين بها. وعليه، أصبحت الدعوى المقدمة لاعتبار شبه الجزيرة العربية جزءا من إفريقيا في الوقت الراهن أقوى وأعقل من تلك التي تسعى لإثبات انتماء شمال إفريقيا لأوروبا. من الجلي إذن، أن عمليتا الأسلمة والتعريب قد أعادتا تشكيل هوية سكان شمال إفريقيا على نحو أعمق وأشمل مما أنجزته عمليتا التفرنس والأنكلة.

وبالرغم من القرب الجغرافي بين صخرة جبل طارق وإفريقيا، يبقى البحر الأبيض المتوسط خطا فاصلا بيِّنا بين إفريقيا وأوروبا، مقارنة بالبحر الأحمر الذي لا يمكن التعلل بكونه فاصلا حقيقيا بين إفريقيا وآسيا. لا يمُار أحد في أن جميع الحدود مصطنعة، إلا أن بعضها أكثر اصطناع وزيف من غيرها. أما منطقة "أفرابيا" فلها ألفي عام من التاريخ اللغوي والديني، على أقل تقدير، مما يجعلها واقعا جيوثقافيا حقيقيا لا يُدحض.

"أفرابيا" والفصل العنصري العالمي:

ومع ذلك هنالك نزعة تستدعي الانتباه والمتابعة، ألا وهي ظاهرة الفصل العنصري العالمي، فالعالم الأبيض بصدد رصِّ صفوفه وتعزيز روابطه الداخلية، على الرغم من تفكك الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا، بل إن النزعة الأوروبية الشاملة (Pan-Europeanismo)، قد بلغت شأوا غير مسبوق من التضامن، تمتد من جبال الأورال الى جبال البيرنيه.

كما أن قوة اقتصادية كبرى جديدة آخذة في التشكل بأمريكا الشمالية، تضم كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وربما المكسيك، أيضا. غير أنه إذا أملينا النظر في هذا النظام العالمي الناشئ، تبين لنا بروز نزعتين مقلقتين: يبدو أن العرب والمسلمين، وعلى نحو غير متكافئ، باتوا الضحايا العسكريين الأوائل لهذا النظام، فيما يشكل السود، على نحو غير متوازن أيضا، الضحايا الاقتصاديين الأوائل لنظام الفصل العنصري العالمي المتنامي.

أما تبعات العمليات العسكرية في صفوف المسلمين فتتجلى فيما يلي:

1.    السماح لإسرائيل بامتلاك السلاح النووي، مع السعي في الوقت ذات إلى الحيلولة دون امتلاك العالم الإسلامي للقدرات النووية؛

2.    تمويل القوات العسكرية الإسرائيلية وتعزيز قدراتها؛

3.    قصف الولايات المتحدة لبيروت خلال عهدة الرئيس ريغان؛

4.    قصف الولايات المتحدة لمدينتي طرابلس وبنغازي خلال عهدة الرئيس ريغان، أيضا؛

5.    إسقاط طائرة مدنية إيرانية في الخليج نتج عنه هلاك جميع من كانوا على متنها، وحدث هذا خلال ولاية ريغان، كذلك؛

6.       قرار الرئيس بوش تفضيله لعامل الوقت عوض إنقاذ الأرواح خلال أزمة الخليج (1990-1992)، مما أفضى إلى مقتل مئات الآلاف من الناس؛

7.    احتمال توجيه ضربة ثانية لليبيا.

كما يلاحظ بأن ثلثي ضحايا العمليات العسكرية الأمريكية منذ حرب فيتنام كانوا من المسلمين، بحيث قفز عدد القتلى إلى ما يربوا عن نصف مليون شخص. وقد كان الضحايا المسلمين في معظمهم من مواطني كل من فلسطين والعراق ولبنان وليبيا وإيران وغيرها من الدول.

وفيما شكل المسلمون الضحايا الأوائل للعمليات العسكرية للنظام العالمي الجديد، فقد احتل السود المراتب الأولى من حيث التضرر الاقتصادي من نظامه. ويتجلى ذلك فيما يلي:

1.    استمرار دعم الأنظمة الإفريقية العاجزة والفاسدة؛

2.    التبعات المهولة لبرامج التقويم الهيكلي التي أملاها "صندوق النقد الدولي" و "البنك الدولي" على العالم الأسود؛

3.    مظالم أسعار السلع العالمية المستهدفة للاقتصادات الإفريقية الهشة؛

4.    تضخم طبقات السود المهمشة في الولايات المتحدة الأمريكية، فضلا على ما صارت تكابده هذه الطبقات من محن جراء تزايد حالات الإصابة بالإيدز وتنامي تعاطي المخدرات وتفشي الجريمة والاختلال الاجتماعي، وتزايد الفقر؛

5.    تنامي النزعات العنصرية في أوروبا (لاسيما بفرنسا وألمانيا وبلجيكا)؛

6.    التحول الحاصل في ميولات أعضاء المحكمة العليا الأمريكية في اتجاه اليمين، مما أضر بمكتسبات الحقوق المدنية وكبَحَ وثيرة تقدم الأقليات ورفاهها.

من الواضح اذن أن النظام العالمي الجديد محفوف بمخاطر جسيمة تتمثل في التسبب في مقتل أعداد غير متناسبة من الناس في صفوف المسلمين، كما ينطوي في الوقت نفسه على خطر مواز يتمثل في تكريس الفقر وتناميه في أوساط السود.

ولعل مشروع "أفرابيا" يشكل جزءا من الجواب الشافي لهذه المعضلة، وستظل المصالحة بين العرب والأفارقة مُستحبة بل مطلوبة، على أمل ألا تستغرق زمنا طويلا للتحقق كما كان الشأن بالنسبة للمصالحة ما بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية عقب صداماتهما ما بين عامي 1776 و 1812. والأمل معقود كذلك ألا يكون التوافق الأفرو-عربي سطحي كتلك المودة الشكلية الحديثة التي نشأت بين اليابان والولايات المتحدة. يتعين على الأفارقة والعرب إذن أن يستخلصوا الدروس المستفادة من التعجيل بجلب المصالح من التجربة اليابانية-الأمريكية، وكذا من دروس الأخوة الثابتة والمتجذرة لبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

ولطالما كانت لدينا مؤسسات عربية صُمِّمَت خصيصا لمساعدة إفريقيا، مثل "الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بإفريقيا." لكننا لم نشهد وجود مؤسسات إفريقية أُحدثت من أجل تقديم المساعدة للعرب خارج القارة الإفريقية. وسيكون بوسع مؤسسات "أفرابيا" حشد موارد البلدان العربية والافريقية الأكثر غنا وتسخيرها لتلبية حاجيات الدول الفقيرة في كل من إفريقيا والعالم العربي. ومن المرجح أن تكون مؤسسات "أفرابيا" تحت الإشراف المشترك للعرب والأفارقة، وبذلك سيكون من المتاح تخصيص الموارد الإفريقية لتلبية حاجيات الدول العربية الفقيرة مثل اليمن أو الأردن، تماما كما تم رصد الأموال العربية في السابق لمساعدة بعض الدول الافريقية، بما فيها تلك التي تتوفر على إمكانيات معتبرة.

لكن هل ستُطْرَحُ هذه الرؤى الطموحة جانبا، في انتظار تحقق حكم الأغلبية بجنوب إفريقيا؟ وهل ستكون جنوب إفريقيا ما بعد الفصل العنصري المصدر الرئيس للمساعدة الإفريقية الموجهة إلى العالم العربي؟ هذا احتمال وارد، بلا شك. فما إن يتأتى لجنوب إفريقيا أن تتحرر وتستقر الأوضاع فيها حتى تبرز الحاجة إلى عقد قمة جديدة تجمع قادة الدول والحكومات العرب والافارقة، للنظر بجدية في معطيات "النظام العالمي الجديد" وتقييمها. والأمل يحذونا أن يحظى مشروع وضع أطر وميكانيزمات أفرو-عربية مبتكرة –بإشراف "أفرابيا"—بمرتبة متقدمة في جدول أعمال القمة المذكورة. عندها، ومع انجلاء ظلال الماضي، سيكون بالإمكان صياغة وبناء مستقبل مشترك جديد—مستقبل لن يكون سوى ترس واقي بسيط، لكن ضروري، لدرأ مخاطر نظام عنصري عالمي آخذ في التشكل.

الخاتمة:

نعيش في عصر أمست فيه تمثلات الشعب لذاته تتأثر بعمق بمدى انتمائه القاري أو الإقليمي. وهكذا فقد ظلت السياسة الرسمية لحكومة "هيلا سيلاسي" وإلى غاية العقد الخامس من القرن العشرين، تؤكد على انتماء إثيوبيا إلى دائرة الشرق الأوسط بدلا من إفريقيا. غير أن المفارقة تكمن في أن الإمبراطور نفسه هو من أطلق لاحقا سياسة إعادة تأصيل الهوية الإفريقية لإثيوبيا تزامنا مع اقتراب موعد حصول باقي دول إفريقيا على استقلالها. ومنذ ذلك الحين أخذت الهوية الذاتية الإثيوبية تتبنى السمات الإفريقية على نحو تدريجي.

والملاحظ هنا هو أن أوجه التشابه الثقافي بين إثيوبيا وباقي أجزاء إفريقيا جنوب الصحراء لا تزيد عن أوجه التشابه الثقافي القائمة بين شمال إفريقيا وشب الجزيرة العربية. بيد أن القرار الأوروبي الذي جعل حدود إفريقيا الشرقية تنتهي عند البحر الأحمر نجح بالفعل في تجريد شبه الجزيرة العربية من طابعها الإفريقي، مما حذا بسكانها الأصليين إلى تبني هوية غرب آسيوية، متجاوزين بذلك أي شعور بالانتماء إلى شمال إفريقيا (5).

وللتذكير، وقبل حدوث انفصال البحر الأحمر بالمعنى الجيولوجي، شهدت القارة الإفريقية انشقاقا كان بمثابة المخاض الذي انتهى بخروج البحر المذكور إلى الوجود.  بمعنى أنه منذ ملايين السنين، تشققت القشرة الأرضية للقارة ونتج عن ذلك الانزياح الجيولوجي مخطط البحر الأحمر كما نعرفه اليوم. وكما أسلفنا، لعب هذا الشريط المائي الضيق دورا محوريا في تشكيل وعي أجيال متعاقبة من الأهالي استوطنت ضفتيه.

غير أن التغيير الثقافي ظل يُناوش في مسعى لرأب الصدع الجيولوجي بين إفريقيا وشبه الجزيرة العربية. ومن ثمة برزت أسئلة جوهرية، وهي كالتالي: أمن شرق البحر أو غربه انبثقت الشعوب السامية حتما؟ وهل تعود أصول سكان مرتفعات إثيوبيا إلى جنوب شبه الجزيرة العربية؟ ألم يجعل الإسلام من البحر الأحمر حاجزا ثقافيا باليا ومتجاوز؟ أولم تحول اللغة الغربية هذه الحدود إلى كيان فاقد لكل دلالته في سياق العصر الحديث؟ ألم يحن الأوان لكي نخفف، إن لم نتمكن من وضع حد، لهيمنة هذا البحر بصفته المُؤشر الرئيسي عن الهوية الثقافية والمُعرف بها؟

وعلى أي حال، ليست هيمنة البحر سوى تجل من تجليات هيمنة التحيزات الجغرافية الأوروبية، فكما أرسى واضعوا الخرائط الأوروبيين القارة الأوروبية في موقع أعلى، متوفق، ولو مجازيا على إفريقيا (وهو قرار اعتباطي بحت، إذا ما نظرنا اليه من زاوية كونية محايدة)، فقد قرروا كذلك أن تنتهي حدود إفريقيا الشرقية عند البحر الأحمر، متجاهلين بذلك امتدادها الطبيعي نحو الخليج العربي. ألم يحن الأوان لهذه الهيمنة المُزدوجة –هيمنة البحر والرؤية الجغرافية الأوروبية—أن تندثر وتغرق في غياهب النسيان؟

لعل التحدي الأكبر يكمن في إقناع سكان شبه الجزيرة العربية أنفسهم بهذه الحقائق، فلقد نشأوا على، وتشربوا عبر الأجيال فخر الانتماء الى "عرب آسيا" مُتمايزين عن أي صلة بعرب إفريقيا، ومن ثم، فهم لا يتحمسون كثيرا لفكرة الانضمام إلى "منظمة الوحدة الإفريقية"، بغض النظر عن المكاسب المالية التي قد يجنيها الاتحاد من ذلك من حيث إمكانية حلحلة أزماته المالية. أما السؤال الجوهري الذي لا يزال مطروحا فهو: هل سيكون أهالي الشرق العربي مستعدون، على أقل تقدير، لتبني مفهوم "أفرابيا" الجيوسياسي الواعد؟

ومهما يكن، يمكن القول بأنه إذا كان بإمكان الإمبراطور "هيلا سيلاسي" إطلاق عملية إعادة تأصيل الهوية الإفريقية لإثيوبيا، وبوسع "جمال عبد الناصر" أن يبادر بإعادة تأصيل الهوية الإفريقية لمصر، فإن آفاق إعادة النظر في هوية شبه الجزيرة العربية قد لا تكون قاتمة أو مستعصية بالشكل الذي نتصوره. ففي إطار النظام العالمي الجديد، لا تقتصر عملية إزالة الحواجز الوهمية التي تعمق أسباب التفرقة على أوروبا وحدها. كما أن التكتل الاقتصادي الإقليمي المتشكل بأمريكا الشمالية، ليس حكرا على الدول الأعضاء—الولايات المتحدة، وكندا والمكسيك. وليس جنوب شرق آسيا وحده من سيعمل على إعادة دمج شبه الجزيرة الهندية-الصينية إلى فلكه، بل إن من ضمن التطورات ذات الإمكانات التاريخية العظيمة، يمكن ترقب نشوء كيان "أفرابيا" الذي يعمل على توطيد أواصر اللغات والأديان والهويات عبر الصحراء الكبرى والبحر الأحمر في مسعى لتحقيق اندماج تاريخي مشهود بين العروبة والإفريقية ضمن نظام عالمي جديد.

لكن هل ستؤسس "أفرابيا" لاتحاد يجمع بين العرب الأثرياء وإفريقيا الأقل غنى؟ الواقع أن هناك دول غنية بإفريقيا كما توجد دول فقيرة في العالم العربي—والعكس صحيح. ومما لا شك فيه أن الموارد المعدنية بإفريقيا أكثر تنوعا ووفرة من مثيلاتها في العالم العربي، غير أن دولا إفريقية (من قبيل الزائير) عانت من ويلات سوء التدبير الاقتصادي، تجاوزت من حيث حدتها ما شهدته معظم البلدان العربية. هذا وستضم "أفرابيا" المستقبلية جنوب إفريقيا ما بعد الفصل العنصري، بما يحظى به مجتمعها من رفاه وما يتميز بها اقتصادها من قوة وتطور صناعي، مقارنة مع باقي الدول العربية والإفريقية. ومن المرجح أن تتولى الاقتصادات الغنية بالنفط والثروات المعدنية قيادة "أفرابيا" مستقبلا، غير أن ذلك سيكون في إطار نظام جديد يُكرِّس ويحترم قيم العدالة والانصاف في التعامل مع مجتمعات الدول الأعضاء، على غرار ما هو متعارف عليه في بعض الدول المستنيرة. آمين.

ترجمة من الإنجليزية إلى العربية: صابر العسري


1
. تُناقش مقالة على مزروعي في فصلها الأول مسألة ما إذا كان البحر الأحمر يمثل حدًا طبيعيًا مشروعًا لإفريقيا أيضًا، يرجى الاطلاع على: علي المزروعي،  The Africans: A Triple Heritage (أو،"الأفارقة: إرث ثلاثي" (لندن: منشورات بي بي سي، وبوسطن: دار ليتل، براون للنشر، 1986)، الفصل الأول.

2. كولن مكيفيدي،The Penguin Atlas of African History (أو، "أطلس بنغوين لتاريخ إفريقيا" (هارموندسوورث، ميدلسكس: دار بنغوين للنشر، 1980).

3. انظر: ر. ر. بالمر بالتعاون مع جو كولتون، A History of the Modern World "تاريخ العالم الحديث" (نيويورك: دار نوبف للنشر، 1962)، الطبعة الثانية، ص 13.

4. انظر إسهام ميرفيل هيرسكوفيتس في: كلية ويلزلي،  Symposium on Africa"ندوة عن أفريقيا" (كلية ويلزلي، ماساتشوستس، 1960)، ص. 16

5. تبرز هذه القضية أيضًا في السلسلة التلفزيونية لعلي المزروعي   The Africans: A Triple Heritage (أو، "الأفارقة: إرث ثلاثي") (لندن: هيئة الإذاعة البريطانية، وواشنطن العاصمة: دبليو إي تي إيه، نظام البث العام، 1986)، البرنامج رقم 1: "طبيعة القارة".

[1] نشرت هذه المقالة في الأصل باللغة الإنجليزية في مجلة أوفاهامو.

Mazrui, A. (1992). Afrabia: Africa and the Arabs in the New World Order. Ufahamu: A Journal of African Studies, 20(3). http://dx.doi.org/10.5070/F7203016755.