حانوم: بعد أن أمضيت عقدين من الزمن في الاشتغال علىموضوع المعرفة الاستعمارية حول المنطقة، جاءت فكرة تأليف كتاب في الموضوع بشكلطبيعي.  بمرور السنين، تولَّدت ونَمَتلديَّ قناعة بأن هذه المعرفة الاستعمارية لا تسعى وظيفيا لتبرير عمليات الغزووالاحتلال - فالقوة ليست بحاجة إلى تبرير – غير أن تلك المعرفة كانت تكتسي أهميةأكبر. لقد كانت وسيلة لفهم وتحديد ومعرفة المجال، وفي نهاية المطاف، إنشاءالمستعمرة المستهدفة. من الواضح إذن بأن الامر يتعلق بعملية اختراع وانشاء، بيد أنالطرح القائل بأن السلطة وحدها هي الخليقة بإنشاء المستعمرات قد شكَّل موضوعا مهمافي الكتابات التاريخية منذ تاريخ اصدار "اختراع التقاليد"، وهو كتابألفه كل من "إريك هوبسباوم" و"تيرينس رينجر".  والجدير بالذكر هنا، أن كتب شتى قد تناولت موضوعاختراع العديد من المناطق الجغرافية، من قبيل أفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وهاواي،والأرجنتين، والصين وإسرائيل وفرنسا، وبالطبع، المشرق، كما جاء في العمل الرائدلإدوارد سعيد، إلا أن منطقة المغرب العربي لم تنل حظها من الاهتمام، كما لو كانتمن المسلمات أو من الأمور المَفْرُوغ منها. وحتى عندما اشار عبد الله العروي الىالحاجة الماسة لكتابة فكرة المغرب الكبير، فإنه بصفته مؤرخا، كان مناط تفكيره حولمسألة تشكل الفكرة على مر العصور، وليس فقط حول نشأة المغرب الكبير نفسه (اصطلاحياومفاهيميا)، كما ساهم في تكريسها كتاب "تاريخ المغرب" بعد الاستقلال.. هذا وبعدما فرغت من قراءة كتاب "اختراعأفريقيا" ل V. Y. Mudimbe، انتابتني حيرة حيال غياب المغرب العربي أوشمال إفريقيا عن هذا العمل الذائع الصيت، اذ لم يُقدِم الكاتب على مُسائلة الاسمفي حد ذاته، كما لم يُشكك في أصوله، بل أنه لم يُدرك بأن الاسم بات يشير ليس فحسبالى شمال القارة، بل إلى القارة برُمَّتِها. وهذا، بالطبع، يعني أن هذا الكتاببنفسه يُعيد إنتاج إفريقيا الاستعمارية كما كان يُنظر إليها، استنادا الى عامل لونالبشرة، قارة مَبتورة، ومُنفصلة عن جزءها الشمالي، بما في ذلك بلاد مصر. والواقعان مُصطلح افريقيا كان، ولفترة طويلة من الزمن، يُشير حَصرا إلى شمال إفريقيا،وليس الى القارة بأكملها. وعليه، ازدادت قناعتي بالحاجة الملحة لكتابة مؤلف يتناولبالدرس والتحليل موضوع اختراع المغرب العربي، وعَجِبتُ أن أحدا لم يتطرق للأمر منقبل.

مجلة أنفاس: وما هي الموضوعاتوالقضايا والكتب ذات الصلة التي يتناولها الكتاب؟

حانوم: يتناول الكتاب قضايا عدة، فهو لا يقتصر علىدراسة تاريخ مفهوم المغرب العربي، بل يخوض في الكيفية التي أعادت بها القوىالاستعمارية تشكيل جغرافية المنطقة، بحدودها الجديدة ومسمياتها الجديدة. كمايُعالج مسألة إعادة تشكيل التركيبة السكانية، بناءً على عوامل العرق، واللغة،والانتماء الاقليمي. وبقدر ما كانت الفترة الاستعمارية مُهمة، يُبرهن الكتاب أيضاعلى أن الفترة التي تَلت الحقبة الاستعمارية كانت حاسمة في تكريس عدد من التسميات،والمفاهيم والتصنيفات التي تَخُصُّ المنطقة، وعلى الرغم من التغيرات التي حدثتبفعل ردود أفعال المؤرخين والمنظرين والسياسيين في المنطقة، خاصة وانهم جميعهمكانوا مستهدفين بالخطاب الاستعماري وكذا موضوعا له، إلا أنهم مع ذلك سَلَّمُوابسُلطته من دون كثير تفكير. بالإضافة إلى ذلك، فإني أنكب على دراسة الأدبالاستعماري وما بعد الاستعماري، باللغتين الفرنسية والعربية، لرصد اسهامات الأدبفي مسار الاختراعات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. يحتوي الكتاب أيضا علىتحليلات للدلائل السياحية، والرسوم الخرائطية والصور الفوتوغرافية ومصادر أخرىباعتبارها أدوات معرفية مهمة في عملية إنشاء المغرب الكبير. هذا ويُفيد تحليلالتاريخ العربي نفسه، في تعبيره السلفي كما في تعبيره الوطني، بأن المغرب العربينفسه، بالرغم ما أبداه أبناءه من مقاومة، هو تجسيد للمغرب العربي الاستعماريالفرنسي. وعلى نفس المنوال، ساهمت الآداب المحلية، باللغتين الفرنسية والعربية، فيترسيخ فكرة المغرب العربي.

 

مجلة أنفاس: ماهي مظاهر ارتباطهذا العمل بمجموع أبحاثك وكتاباتك السابقة وأين تتجلى جوانب ابتعاده منها أواختلافه عنها؟

حانوم: يرتبط عملي هذا بما سبق من أبحاثي في كثير منالأوجه، فهذا الكتاب يغرُف من مَعِين أبحاث سابقة امتدت لأكثر من عقدين من الزمن.كان اهتمامي الأصلي بالمعرفة الاستعمارية والطرق التي عبرت بها عن فهمها لمنطقةالمغرب الكبير، أولا، من خلال "أسطورة الكاهنة،" ثم من خلال مسألة العنفالاستعماري في الجزائر. كما شكل اشتغالي عن ابن خلدون مسارا سانحا قادني إلى هذاالمشروع الذي نحن بصدده، ذلك لأن الترجمة الفرنسية التي انجزها "ويليام ديسلان" كشفت لي كيف حَلَّت المقولات والتصنيفات الاستعمارية الجديدة محلنظيراتها التي كانت قد سادت خلال العصور الوسطى، وابتكرت فهما جديدا للمنطقة. كلهذا ساعد في صياغة التوجهات العامة للمشروع وتسهيل مساره.

مجلة أنفاس: ما هو جمهور القراءالتي تأمل أن يقرأ هذا الكتاب، وما طبيعة الوقع الذي تُريد أن يُحدثه كتابك؟

حانوم: أتمنى، بادئ ذي بدأ، أن يُترجم هذا الكتاب إلىالعربية والفرنسية، حتى تتمكن الفئات المُهتمة بموضوعه من قراءته. وتجدر الإشارةهنا بأن اللغة الإنجليزية لا تُستعمل على نطاق واسع في المنطقة المسماة بالمغربالعربي أو بإفريقيا الناطقة بالفرنسية. بطبيعة الحال، آمل أيضا أن يقرأه كل باحثيهتم بدراسة المنطقة أينما كان. ويبقى الهدف المتوخى من كتابي هو أن يسهم في إنهاءالاستعمار الذي لازال يَجثُم على معارفنا حول المنطقة وفي مساءلة التصنيفاتوالمفاهيم المستعملة في تَمَثُّلِ المنطقة وأهاليها ولغاتها، وكذلك في حل المشاكلالترابية والحدودية التي لازالت قائمة. يحْدُونِي أمل، كذلك بأن يساهم الكتاب فيإعادة النظر في تصنيفي "إفريقيا" و"الشرق الأوسط،" وخاصة فيعلاقاتهما بتصنيف "المغرب العربي." ولهذا السبب، تحديدا، أعتقد أنالكتاب سيكون مفيدا للغاية إن هو قرئ بالاقتران مع كتاب "الاستشراق"(لإدوارد سعيد) وكتاب "اختراع أفريقيا" لمودينبي.

أما بالنسبة للدراسات المغاربية، فآمُل، أوبالأحرى أتوقع، أن يدفع الكتاب في اتجاه طريقة مُستجدَّة للتفكير تُثير إشكاليةالدراسات المغاربية، وتُزعزع النماذج والإطارات النظرية-العلمية البَالية التيلازالت سائدة الى يومنا هذا في مجال الدراسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية.سَقْفُ توقعاتي عالي، بالطبع، وبخاصة إذا ما وضعنا نُصب أعْيُنِنا بأن دراسةالمنطقة المُنجزة باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية ما انفكت تعتمد علىمفاهيم وتصنيفات هي بذاتها مَوضِع انتقاد مُتواصل باعتبار أنها استعمارية. والأَملمَعْقُود في أن تتحقق هذه التطلعات مستقبلا.

 

مجلة أنفاس: ما هي المشاريعالتي تعمل عليها في الوقت الراهن؟

حانوم: أشتغل حاليا على مقالات كُنت قد وَعدت زملائيبإصدارها وهي تتعلق، تِباعًا، بالترجمة والأيديولوجيا؛ ولغة وطقوس السلطة فيالمغرب؛ ولغة العنف الاستعماري في الجزائر. لقد بَاشَرْتُ أيضا مشروع اثنوجرافيآخر حول خطر الموت الذي يتربص بالمهاجرين القادمين من مختلف أنحاء إفريقيا أثناءمُحاولتهم العبور للضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. ويُشَكِّلُ هذا المشروعاستمرار لكتاب سابق يتناول موضوع الهِجْرة والعِرْق والوَضْعِية اللاشرعية فيطنجة، الاَّ أنَّه أكثر طموحا. وأَعْتَزِمُ أيضا النظر في ظاهرة هلاك المهاجرينالأفارقة والبحث في مغزى هذه الظاهرة، لاسيما فيما يتصل بالعلاقات ما بين أوروباوأفريقيا.  ويَتغيَّ المشروع مُسائلةالنظام الأخلاقي والقيمي لعصرنا هذا، والموسوم بالعولمة، والتساؤل عما إذا كانتبعض الأنْفُس أَغلى من أَنْفُسٍ أخرى.  هذاوقد عُدت لتوي من شمال المغرب، حيث أنجزت عملا ميدانيا استغرق سنة كاملة، وأعتزمالذهاب قريبا إلى جنوب أوروبا، (إسبانيا وإيطاليا، على الخصوص) من أجْلِاكْمَالِهِ.

   

عبد المجيد حانوم،اختراع المغرب العربي: ما بين إفريقيا والشرق الأوسط (نشر على الإنترنت من قبلمطبعة جامعة كامبريدج: 13 مايو 2021)

مقدمة

مقدمة – مقتطفات:

يُمحص هذا الفصل في خرائط المنطقة، ابتداء منالحِقبة ما قبل الاستعمارية، لاسيما خلال القرن الثامن عشر، وانتهاءً بالفترةالاستعمارية. ويَتَقَفَّى الفصل التَمَثُّلاَت المَرْئِية للمنطقة باعتبارها وحدةمُتميزة، ذات مَلاَمِح وأسماء مُحَدَّدَة. كما يَنْظُر بإمعان إلى الحدود الغربيةوالشرقية للمنطقة لِيُبَيِّنَ كيف تمكنت الجغرافيا السياسية من فَرْضِ مجموعة منالاقتطاعات من مجالات ترابية، باستثناء ليبيا، التي كانت آنذاك مُستعمرة إيطالية،ومصر، التي كانت مستعمرة بريطانية، وأصبحت من الأهمية بمكان، في بناء شرق أوسط عربي،وبخاصة بعد الحملة النَّابُلُيُونِية. هَذَا، ويَدْرُسُ الفصل كذلك بعض أصنافالمعرفة الشعبية، لاسيما كما كان يتيحها "أطلس: المصور الجغرافيوالخرائطي" وذلك لمعرفة الكيفية التي اتيحت بها الفُرصة لجمهور القراء للتعرفعلى منطقة المغرب كمفهوم وكإسم، بهدف تشكيل المُتَخَيّلِ الجغرافي لدى المُواطِنالحَدِيث بأوروبا وبالمستعمرات، أيضا.

في عام 1966، قَامَ شارل أندريه جوليان، وهومؤرخ بارز مُتَخَصِّص في دراسة المنطقة المعروفة باسم "المغرب العربي"أو "شمال إفريقيا"، بإصدار كتاب صغير ضمن السلسلة المعروفة "Que sais-je؟" (ما الذي أعرفه؟) وهي سلسلة صُممت خصيصا لعموم القراء.وأطلق على عمله Histoire de l'Afrique blanche (أو، تاريخ إفريقيا البيضاء)، وهو عنوان غيرمُعتاد، إلا أنه ليس بالجديد. ففي سنة 1939، نشر إميل فيليكس غوُثييه، أحدالمهندسين المُشرفين على "انشاء" المغرب العربي، كتابا بعنوان مُماثل،وهو L'Afrique blanche. (أو أفريقيا البيضاء) لكن كتاب جوليان كان مُختلفا. فقد كَتَبَهُ رجل عُرف بمُنَاهَضَتِهللاستعمار، وانتماءاته الشيوعية الجريئة، ودفاعه المُستَميت عن استقلال المنطقة.صدر كتابه في سياق الفترة ما بعد الاستعمارية، وتحت عنوان يَشُدُّ القَارِئ ولايَدَعُ لَهُ مجال لعدم الاكتراث. فقد اعتاد القراء آنذاك، كما هو حالهم الآن، علىربط السَوَاد بأفريقيا وأفريقيا بالسَوَادِ. ويُحِيل كل من البياض والسواد إلىوجود علاقة بالتقدم - فالأَوَّلُ يُجَسِّدُ التَقَدُّم، أما الثاني فيُعْوِزُهالتقدم -بحيث أن الإحالة تبقي سارية على أصحابها أينما حَلُّوا وارْتَحَلُوا، حتىخارج إفريقيا نفسها. ويبقى البياض من أبرز سمات أوروبا. ويبدو كما لو أن جوليانكان يُريد أن يخبر مُعاصريه بأن البياض لم يكن حِكْرا على أوروبا، ذلك لأن أفريقيابيضاء أيضا. لكن عن أي أفريقيا نتحدث الآن؟ بحسب جوليان، فالأمر يتعلق بالجزءالشمالي من القارة الذي لا يشمل المغرب العربي فحسب، بل مصر أيضا.

قام روجيه لوتورنو، وهو مُؤَرِّخ بارز للمنطقة،بمراجعة الكتاب الذي نحن بصدده وخَلُص الى أنه يتناول موضوعين مختلفين داخل ذلكالكيان الذي يُعْرَف بإفريقيا البيضاء، ويتعلق الأمر بكل من مصر والمغرب العربي.ويرى لوتورنو بأن الكتاب يتعامل مع موضوعين لهما من أوجه الانفصال ما يفوق أوجهالارتباط.

فَوِجْهَةُ نهر النيل كانتدوما، ومنذ بداية التاريخ، نحو الشرق الأدنى (Proche-Orient) وشرق البحر الأبيض المتوسط، في حين أنالمغرب العربي كان على الدوام مُرتبطا بغرب البحر الأبيض المتوسط، وبشبه الجزيرةالإيبيرية، على وجه الخصوص.

ومن المُرَجَّحِ أن يكون جُمهور قراء جوليانالفرنسي في الحاضر، كما في الماضي، قد فهموا، وبكل سهولة، تعريفه لمنطقة المغربالعربي، على أنها ليست جزءا من الشرق الأوسط (الذي تُشَكِّلُ مصر حيزا مُهِمًّامنه). كما أنها ليست جزءا من افريقيا. ولئن كان كلاهما يقع بشكل واضح وجلي في شمالإفريقيا، فإن المغرب العربي، من الوجهة الغربية، قائم الذات، ويبدو مستقلا حتى عنمنطقة غرب إفريقيا، وإن كان بالتحقيق بإفريقيا. والأمر سيان بالنسبة لمصر منجانبها الشرقي، فهي ليست جزءا مما يُسمى بشرق إفريقيا، بل تكاد تكون جُزءً لا يتجزأمما يُعرف بمنطقة الشرق الأوسط، وهي كُتلة تقع في آسيا، على الأرجح. وحري بالذكرهنا أن مصر كان يُراد لها أن تكون أمة العرب الرائدة، ومهدا للقومية العربية،ومركزا جغرافيا للشرق الأوسط العربي، وكذا قلب نهضتها السياسية والفكرية.  أما المغرب العربي، الذي يسعى هذا الكتابلتفكيك بناءه، فقد شكل دوما كُتلة جغرافية مُسْتَقِلَّة بذَاتِها، لها تاريخ خاصبها، فضلا وعن كونها منطقة "فرنكوفونية"، بامتياز، في نظر الفرنسيين،حتى خلال الفترة ما بعد الاستعمارية.

وما الأسماء التالية: "المغرب العربي"و "مصر" و "إفريقيا البيضاء" و "إفريقيا السوداء" و"إفريقيا" و "البحر الأبيض المتوسط" و "الشرقالأوسط" - إلا أسماء اختُرعت في مرحلة أو أخرى من التاريخ الحديث، وكل منهاكان يعني أشياء مختلفة في سياقات زمنية مختلفة. أما اليوم، فهذه الأسماء هي تسمياتصِيغَت خلال الفترة ما بعد الاستعمارية، وهي بذلك تَكتسي مَعَانِي مُحَدَّدَة،يُمكن تَقَفِّي أُصُولها في الحقبة الاستعمارية، مُنذ أن حَلَّت فرنسا بالمنطقة ابَّانالحملة النابليونية على مصر بتاريخ فاتح يوليوز 1798. فقد قام نابليون، بمعيةالعلماء والخبراء المُرافقين له، بتعريف مصر الحديثة. كما شارك خُلفاؤه، وكان منضمنهم بعض ممن رافقوه في حملته المذكورة، في إعادة تعريف المنطقة الواقعة غرب مصر- أي منطقة المغرب العربي. وحصل ذلك في وقت مُبَكِّر من ثلاثينيات القرن التاسععشر.

خلال السنوات التي سبقتسنة 1830، كان من المستحيل صياغة تعريف للمغرب العربي كما فعل "لوتورنو"لاحقا. إذْ لم يكن يُنظر إلى المنطقة بعد على أنها وحدة قائمة بذاتها، بل كمنطقةذات انتماءات جزئية للإمبراطورية العثمانية، من جهة، ولمملكة فاس، أو الإمبراطوريةالشريفة، من جهة أخرى. لم يكن ضباط الجيش الفرنسي الذين حطوا الركاب بسيدي فروحبتاريخ 14 يونيو 1830، لِيَفهَمُوا التعريف الذي قدمه مؤرخون لاحقون أمثال"جوليان" و "لوتورنو". وحتى لو تم تقديم هذا التعريف لأي شخصفرنسي مُقيم بالجزائر أو بفرنسا بعد مُضِيّ سبعة عقود، وهو تاريخ يُصادف حلول عام1900، سيبدو له التعريف غير ذي معنى، إذ لم يكن المغرب العربي قد خَرَجَ لحَيِّزِالوجود بعد، وإن كان بالإمكان تَمَثُّل ملامحه الجنينة، بالفعل، من خلال العملالهائل الذي أنجزته هيئة الاستكشاف العلمي للجزائر. وتَطَلَّبَت مسألة صِيَاغَةِالمغرب العربي، ما يُقَارِبُ قرنا من الزمان. وكان مفهوم البحر الأبيض المتوسطبنفسه غير واضح المعالم، كما أن الشرق الأوسط لم يكن قد خرج للوجود بعد.  وحتىمصر البريطانية كانت تبدو نابليونية أكثر منها عربية، وكانت بلاد الشام بأكملها لاتزال تُشَكِّل جزءا من الإمبراطورية العثمانية المٌترامية الأطراف، والتي كانتتمتد أيضا من آسيا إلى أوروبا، كما تُفِيدُ بذلك الخرائط الأوروبية الموضوعة خلالالقرن الثامن عشر، وإن كان العُثْمَانِيُون سيوَاجِهُون مصاعب جمة في الحفاظ علىكل الربوع التابعة لهم. وبحلول عام 1966، كان تعريف المنطقة كما اقترحه"لوتورنو" قد أضحى مألوفا وطبيعيا جدا، لدرجة أن كل من"لوتورنو" و"جوليان" لن يُخَامِرهما شك في أن المنطقة المعنيةكيان طبيعي ٌقائم بذاته  .لابد إذن وأن يكونشيء جلل قد حدث هناك ما بين عامي 1830 و1966 لجعل التعريف الذي نحن بصدده مُمكناومَفْهُوما، بل طبيعيا حتى. غير أنه لا يُمكن اخْتِزَال هذا الشيء في الاستعمارفحسب، بل كان الأمر يتعلق بعملية كاملة ومُمَنْهَجَة من الخلق الاستعماري،حَوَّلَتِ العديد من الكيانات التي كانت قائمة قبل الحِقْبَة الاستعمارية إلى كيانواحد له هوية تفصله عن الآخرين وتجعله مُتميزا عن أي شيء آخر. ويتَمَحْوَرُ هذاالكتاب إذن حول الكيفية التي أصبح بها هذا التعريف مُمكنا ومَفهُوما، بل طبيعيا،بفعل التكرار الاستطرادي بمعنى أن وجوده أضحى وجودًا مستقلا عن الوعيالبشري. وبالتالي، فإن الكتاب يُمَحِّص في إشكالية اسم، وكذلك المنطقة التي يشيراليها، أو بالأحرى، في مفهوم المنطقة، بجُغْرَافِيتِهَا، وسكانها، ولغتها،وتاريخها. وبهذا فالكتاب يُعتبر افتحاص للخيال الجغرافي. وسبرا لأغوار تاريخوأطوار بناء منطقة برمتها وكذا إعادة تشكيلها خلال الحكم الاستعماري الفرنسيبالمنطقة.