مقدمة

على امتداد حيّ فيصل، حيث تتجاور البنايات العالية مع الشوارع الضيقة، وتتشابك طبقات البشر كما تتشابك مواصلاتهم، تبدو القاهرة الكبرى في صورتها الأكثر كثافة وفوضوية، هنا، في هذا الامتداد الذي يجمع مصريين جاؤوا من الأقاليم طلبًا للرزق، ولاجئين سودانيين دفعهم العنف والاضطراب السياسي إلى عبور الحدود، يتشكّل ما يشبه "ملتقى للشعوب المقهورة" (حيث يشهد الحي تواجد يمنيين فارين من الحرب أيضا)، فالحياة اليومية في فيصل  تبدوا وكأنها نهرا مندفعًا، حركة تتشابك فيها الميكروباصات والتكاتك مع البشر، في مشهد يطغى عليه الإيقاع السريع الذي لا يشبه تماما هدوء الخرطوم ولا اتساعها.

في قبل هذا العالم المكتظ، يظهر مطعم صغير للطعام السوداني لا تتجاوز مساحته أربعين مترًا، لكنه ينجح في جذب الإنتباه.، أمام بابه طابور صغير يضم سودانيين ومصريين ينتظرون وجباتهم المغلفة، بينما تتزاحم في الداخل ثلاث ترابيزات يجلس حولها رواد من البلدين يتشاركون الطعام، وبجوار المطعم مباشرة، يقف مخبز للعيش السوداني تنبعث منه رائحة الخبز، وإلى جانبه مقهى بسيط يتحوّل عند المساء إلى نقطة التقاء لأعداد كبيرة من السودانيين.

شهد عام 2018 بدايات الحراك الاجتماعي-السياسي الذي مهد للثورة السودانية في 2019، منهياً حقبة الجنرال عمر البشير بعد ثلاثة عقود من الحكم.، غير أن التحوّل الذي بدا واعدًا لم يكتمل، حيث آلت السلطة إلى جنرالين آخرين، محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع، وعبد الفتاح البرهان قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة،-وهما شخصيتان ارتبط اسماهما بملفات دامية في حروب دارفور،وأصبحا أولياء على الدولة السودانية ما بعد الثورة، فالتغير السياسي الغير كامل هو الذي أدى إلى الحرب في 2023، وكانت حربا شاملة كاسحة في السودان كله.، ومع سقوط الخرطوم -في مشهد يعيد إلى الذاكرة سقوطها على يد الإنجليز في 1898-، تعرّضت المدينة لواحدة من أكبر موجات التهجير في تاريخها الحديث، وعبر عشرات الآلاف من سكانها عبر الطرق البرية والصحراوية، بعضهم سيرًا على الأقدام، وآخرون في سيارات مكتظة الحدود بحثًا عن ملاذ آمن في مصر،  وفي خضم هذا الاضطراب، تحوّل العمل في الطعام السوداني إلى شريان حياة أساسي لآلاف من السوادنيين من مختلف الطبقات والخلفيات، ممن وجدوا في الطهي ليس مجرد مهنة، بل وسيلة -ربما تكون وحيدة-  لاستعادة بعض من الاستقرار والهوية.

لا شيء في مشهد المطعم السوداني الصغير يوحي بأنه جديد تمامًا، لكنه في الواقع حدث خلال العامين الماضيين، حيث تحولت المطاعم والمخابز السودانية (وغالبا ما يكون بجوارهما مقهى يتجمع عليه السودانيون) إلى ظاهرة تمتد في مناطق عديدة بالقاهرة الكبرى والإسكندرية وبعض مدن الصعيد.، الكثافة في الإقبال، المزج بين الزبائن، كلها مؤشرات على تحوّل أكبر من مجرد مطاعم جديدة، وكأن المطبخ السوداني لم يأتِ إلى مصر بحثًا عن مكان للطهو فقط، بل جاء ليؤسس مساحة يومية للتلاقي، ومتنفسًا صغيرًا في قلب أزمة اقتصادية خانقة يعيشها المصريون والسودانيون معًا، فانتشار المطبخ السوداني جاء في وقت يمر به غالبية المصريين بأزمات مادية تدفع الكثير منهم إلى تبني بدائل غذائية غير تقليدية واقتصادية في الوقت ذاته، وقد تصبح لدى البعض ممن يجربونها جزءا من عاداتهم الغذائية.

وجود هذه المطاعم السودانية يبدوا مثل شريان ممتد من الخرطوم إلى القاهرة، في أماكن صغيرة لكنها مشبعة بالذاكرة، بطقوس الطعام، وبمحاولات الحفاظ على شيء من الوطن في بيئة جديدة مضطربة، ومع دخول الزبائن المصريين إلى هذه المساحات لتناول أو لشراء الطعام تظهر ديناميكيات جديدة، اختلاط يومي وجلسات حكي تحمل الكثيرمن التضامن المصري ضد الحرب القاتلة في السودان، وأيضا تجارب أولى مع الطعام، ومقارنات بين الثقافتين داخل مساحة ضيقة يتشارك الجميع فيها الطاولة ذاتها في كثير من الأحيان.

لتبقى الأسئلة الأكثر حضورا حول الإنتشار، هل لأن حضور السودانيين الكثيف عقب موجة النزوح الواسعة بعد الحرب الأخيرة (أكثر من 1.5 مليون سوداني حسب تقرير لمنظمة ACAPS في مايو الماضي)‍ خلق احتياجًا تجاريًا تحوّل بسرعة إلى موضة اجتماعية؟، فهناك مطاعم كثيرة أصبح لها أكثر من فرع في مناطق مختلفة، أم لأن المصريين يبحثون عن بدائل أقل تكلفة في ظل تضخم يلتهم القدرة الشرائية من جهة أو من باب الفضول من جهة أخرى، وهل الطعام ببساطته وقربه من الناس، من الممكن أن يصبح طريقا سريعا لفهم موجة التغيّر الطارئة على كثير من المدن والأحياء المصرية؟

المقدمة التي تبدأ من هذا المطعم الصغير لا تنتهي عنده، بل تمتد إلى خريطة كاملة تتشكل حاليا، فيها نزوح يعيد رسم أحياء مصرية كاملة، وذائقة مصرية تتوسع وتُجرب وسط اقتصاد ضاغط، وحنين سوداني يحاول أن يجد لنفسه مكانًا، ولو في مساحة لا تتجاوز أربعين مترًا على رصيف مزدحم.

خريطة انتشار المطبخ السوداني في مصر  

لم يكن أحد يتوقع أن تتحوّل كثير من المناطق المصرية خلال سنوات قليلة إلى مسرح أسواق إقليمية فيه انتشار لافت للمطاعم وأفران الخبز السودانية ومحلات العطارة -المتخصصة في بيع الأعشاب والنباتات الطبية والتوابل والعطور والبخور التي يتم جلبها من السودان- ،حيث كان ذلك مقتصرا على بعض المناطق القليلة في القاهرة التي توجد بها تاريخيا جالية سودانية، مثل حيين عابدين والسيدة زينب بوسط وجنوب القاهرة، وهذا الإنتشار لم يكن صاخبًا أو متعمدًا، بل جاء متدرجًا، مثل نكهة تتسلل ببطء إلى الهواء ثم تفرض حضورها في طعام المصريين.

حين نتتبع الجغرافيا الجديدة للمطبخ السوداني، نجد أن القاهرة الكبرى أصبحت المركز الأكثر ازدحامًا بهذه المطاعم، في أحياء مثل فيصل، وأرض اللواء، وعين شمس الشرقية ومناطق أخرى يكفي أن تسير فيها لعشر دقائق حتى تعثر على مطعم أو مخبز أو سوبر ماركت سوداني، مطاعم صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضع أمتار، لكنها مزدحمة على الدوام.

ولم يقتصر الوجود السوداني على مناطق القاهرة فقط، في الإسكندرية أيضا يوجد مطاعم سودانية في المنشية ومحطة الرمل وسيدي بشر والسيوف والعجمي.، فالمدينة التي تعرف جيدًا كيف تبتلع الثقافات وتعيد إنتاجها، استقبلت المطبخ السوداني بمودة واضحة، خصوصًا في المناطق التي تشهد كثافة سكانية عالية.

وهنا تتشابه الأحياء التي تتمركز فيها الجالية السودانية في الإسكندرية مع تلك التي تتمركز فيها في القاهرة الكبرى، فكلها مناطق شعبية ذات نسيج اجتماعي مفتوح، تستقبل الغرباء بسهولة وتتيح لهم الاندماج دون اصطدام بالطبقات الأكثر انغلاقًا، وبكونها مناطق شعبية تنخفض فيها تكاليف المعيشة وتعلو فيها القدرة على استقبال الوافدين الجدد دون حواجز طبقية أو اجتماعية.

وهذا التشابه ليس عابرًا، بل يعكس تفضيلًا سودانيًا واضحًا لمناطق تمتاز بالكثافة السكانية والأسعار المعقولة، وبتواجد شبكات دعم اجتماعي غير رسمية تتيح للقادمين الجدد الاستقرار سريعًا، وعلى امتداد العقد الماضي، كانت غالبية السودانيين الذين يأتون إلى مصر يتجهون تلقائيًا إلى هذه الأحياء نفسها، إما عبر أقارب سبقوهم إليها أو أصدقاء ومعارف، مرسخين لفكرة الاستئناس ببعضهم في مكان غريب، ففي هذه الأحياء، يصبح الاختلاف أقل بروزًا، وتمنحهم حيوية الشارع وثقافة "العيش المشترك" شعورًا بالقرب من مدنهم الأصلية، ووجود حد أدنى من الأمان الاجتماعي.

أما المركز الثالث للوجود السوداني بمصر في محافظة أسوان -الحدودية مع السودان-، لكن سياسة فن الطهو وبيع الطعام فيها أكثر تعقيدًا، فالمدينة جزء من التاريخ المشترك بين مصر وشمال السودان، لذلك المطبخ السوداني فيها لم يكن غريبًا أو وافدًا، بل امتدادًا طبيعيًا لروابط تمتد إلى مئات السنين، الجديد فقط هو ازدياد عدد المطاعم بعد الحرب، وربما ذلك سببا في عدم انتشارها في أسوان بنفس زخم أو السلاسة الذي عليه بالقاهرة الكبرى.    

تعددت أشكال حضور المطبخ السوداني، وتنوّعت طبقًا للطبقة الاجتماعية وطبيعة الأحياء، فهناك المطاعم الكبيرة -ذات الأسعار المرتفعة- التي تُشبه المطاعم الكبرى واسعة المساحة في مصر، وقد نجح أغنياء سوادنين في فتح عدد من هذه المطاعم والتي يقدم معظمها أكلا سودانيا بعضها يقدم بجانبه أطباقا مصرية-، بل إن هناك سلسلة مطاعم سودانية كبيرة -يملكها رجل أعمل سوداني- تمتلك أكثر من فرع في العاصمة الخرطوم  والولايات افتتحت بعد الحرب ثلاث أفرع في القاهرة الكبرى، بأحياء سكنية تصنف بالراقية مثل حي "الشيخ زايد".، في مقابل هذا يوجد النموذج الأكثر والمختلف تماما في الروح، المطاعم السودانية صغيرة المساحة المنتشرة في الأحياء الشعبية، والتي تقف على أبوابها عربات عرض طعام صغير،  تمثل نقطة جذب للكثير من المصريين الذين يحبون تجربة الأكلات الجديدة بأسعار متهاونة.

وتأتي أيضا ظاهرة المطابخ السودانية المنزلية، على غرار مطاعم "الأكل البيتي" المنتشرة حاليا في مصر، كواحدة من التغيرات الملفتة للنظر، سيدات سودانيات يقطنّ في شقق صغيرة، يفتحن صفحات على فيسبوك يعرضن فيها "وجبات سودانية أصلية"، ويقدمن خدمة توصيل يومية لعشرات العائلات-سواء سوادنية أو مصرية، مما يشير إلى أن كثير من النساء السودانيات رغم امتلاكهن لنفس قدرات وامكانيات الرجل السوداني خاصة للعمل في مجال المطاعم (فالطمعم السوادني قائم عليها بالأساس)، لكنها لا تسطيع العمل بنفس المجال مثل الرجل لاعتبارات لها علاقة بسياسات سوق العمل المصري -حيث صعوبة عملها في مناطق التجمعات السودانية- فلجأت إلى استخدام التكنولوجيا، وظهرت فكرة المطابخ السوداني المتحرك، فالسوسشيال السوشيال ميديا خلقت مساحة استفادت منها المرأة السودانية للعمل مثل الرجل.

هذه المطابخ نقلت العلاقة من "مطعم" إلى "بيت"، ومن تجربة فردية إلى عادة أسبوعية لدى كثير من الأسر، مثلما تحكي عافية محمد الشابة السودانية التي جاءت مصر عقب الحرب مباشرة، وحاليا تقدم من شقتها الصغيرة بمنطقة مدينة نصر خدمات "الأكل البيتي"، ويساعدها في اعداده زميلات يسكن معها بنفس الشقة.

 ولأن عافية تستهدف زبونات مصريات عاملات يبحثن عن بدائل للطبخ المنزلي لم تكتف بالوصفات السودانية فقط، بل تعلمت إعداد الأكلات المصرية، وهو أمر لم يكن صعباً على سودانية تربطها بمصر أواصر ثقافية واجتماعية، لتتمكن هي وزميلاتها من تقديم تجربة طعام بيتي فريدة، تجمع بين نكهات المطبخين السوداني والمصري، مستقطبين كثيراً من الأسر المصرية التي تبحث عن طعام منزلي بطابع خاص، ليظهر مدى التداخل الثقافي بين المطبخين، ما قد يُمهد الطريق لمزيد من الاندماج وابتكار وصفات جديدة قد تظهر مستقبلا.

وجدير بالذكر أن مُعظم أصحاب مشاريع الطعام السوداني اليوم ينتمون إلى موجتين أساسيتين من الهجرة، موجة قديمة جاءت طلبًا للدراسة أو العمل أو العلاج، وقرروا العيش في مصر، وموجة حديثة دفعتها الظروف السياسية والاقتصادية والمعيشية إلى مصر خلال السنوات الأخيرة، منهم من كان يعمل بمجال الطعام في السودان، وبعضهم لم يمارس الطهي أبدًا قبل قدومه لكنه وجد في الطعام صناعة آمنة يمكن أن يبدأ به حياة جديدة بمبلغ مالي صغير، ليتحول المشروع إلى مصدر دخل مستقر.

في مطعم صغير بأحد الشوارع المتفرعة من شارع العشرين بفيصل، يقف محمد أحمد داخل مطعمه الصغير "ابن النيل" لتلبية طلبات زبائنه من السودانيين والمصريين واليمنيين، بمساعدة شابين (سوداني ومصري) يعملان معه منذ الإفتتاح في منتصف عام 2018 بعد أن جاء إلى مصر بصحبة أفراد من عائلته لعلاج والدهم، ليقرروا بعد جائحة كورونا الإستقرار في مصر واستقبال باقي أسرتهم للعيش معهم.

ومثلما يساعد محمد في إنزال الطعام بعد إعداده إلى الجالسين على الطاولات الثلاث داخل مطعمه الصغير، يقوم أيضا باعداد سندوتشات الطعمية والفول والبطاطس المحمرة حتى وقت متأخر من الليل، مما يعطي مساحة لكثير ممن يبدأون يومهم متأخر بالحصول على طعام مشبع وبسعر في متناول اليد، خاصة من عمال الورش الصناعية المنتشرة بكثرة في المكان.

ومحمد بحكم أنه يعمل في مهنة المطاعم منذ أن كان في أم درمان، ولأنه يجيد اعداد الطعام بشكل مميز، يحرص كثير من جيرانه في المحلات المجاورة على تناول وجبة الغداء يوميا من عنده في المطعم أو شراء أطعمة لمنازلهم، مؤكدا أنه منذ أكثر من سنتين والمطعم أصبح له زبائن مصريين يوميا يأتون في مواعيد محددة، خاصة الطلبة عقب خروجهم من السناتر التعليمية المنتشرة بالمنطقة، وطلبات سندوتشات سودانية تطلبها ورش صناعية محيطة.

وبجوار مطعم "ابن النيل" مباشرة يوجد مخبز "القراصة" -وهونوع من العيش السوداني ، أقرب في شكله وطريقته إلى الإنجيرا الحبشية-، والمفتوح حديثا منذ مايقارب 7 أشهر، ويحكي صاحبه محمد عمر الذي جاء إلى مصر مع بداية العام الماضي، أنه لم يستهدف الزبائن السودانيين فقط، فكثير من زبائنه مصريون يحبون "العيش السوداني"، لافتا إلى أن التشابه بين الشعبين في فكرة "الغموس" -أى الإعتماد في تناول الطعام بأخذ قطعة من الخبز وأكل الطعام بها مباشرة، وهي أيضا عادة اقتصادية مشبعة ومٌوفرة-، هو الذي جعل العيش السوداني يلقى رواجا أكثر من غيره بجانب العيش المصري، فعدد المخابز السودانية في مصر حاليا ربما يزيد عن عدد المطاعم، مما يفسر كثرة الطلب عليه.

ويقول محمد أن كثيرا من زبائنه تحدثوا معه عن أن سببا من حبهم للعيش السوداني بجانب أنه مشبع أكثر من نظره المصري هو عدم الشعور بالتٌخمة بعد الأكل (الشعور بامتلاء المعدة)، وأيضا لأنه طازج طوال الوقت فالمخابز السودانية تعمل معظم اليوم عكس كثير من المخابز المصرية التي تعمل في الصباح فقط، مؤكدا على أن كثير من المطاعم المصرية تشتري من مخبزه كميات يومية لاستخدامها لعمل السندويشات في مطاعهم، ليدخل العيش السوداني بقوة إلى عادات المصريين الغذائية.

وعلى ذكر العادات، حكى محمد أنه عندما افتتح مخبزه قَرر الإحتفال بعُزومة اجتماعية لعدد من أصدقائه وجيرانه في شارعه السكنه على إفطار سوداني عقب صلاة الجمعة، باعتباره يوم الأجازة الأسبوعي، وبعدما أعجبوا بالطعام طقوسه، أصبحوا يواظبون على هذه العادة بالتشارك فيما بينهم، لتشهد مائدة إفطار الجمعة الأسبوعي بـ"فيصل" تنوعا ثريا في أنواع الطعام ما بين السوداني والمصري.

 وفي منطقة الطوابق بفيصل أيضا والتي تشهد تمركزا سودانيا كثيفا يُدير الرجل الخمسيني مرتضى هاشم مطعمه الذي أطلق عليه اسم "بيت السمك"، وهو أوسع قليلا من معظم مطاعم المنطقة، وبجانب عدة ترابيزات داخل المطعم تجلس امرأة وأمامها عربة صغيرة لإعداد المشروبات السوادنية، يُطلق عليها "ست الشاي".

و "ست الشاي" ظاهرة الموجودة بقوة في المجتمع السوداني ويمتهنها آلاف السودانيات، والتي نشأت في بداية تسعينيات القرن الماضي كاقتصاد بديل قادته المرأة السودانية -في ظل الفقر وتراجع فرص العمل الرسمي-، لتتحول إلى مهنة دائمة وثقافة وملمح ثابت في الحياة اليومية بجميع  المدن السودانية، وإلى رمز لحضور المرأة في المجال العام رغم محاولات التضييق والوصم الاجتماعي التي واجهت الظاهرة في بدايتها -من قِبل المجتمع والسلطة-.، ويعكس انتقال هذه الظاهرة -كما هي- إلى مصر عقب الحرب في السودان محاولة النساء السودانيات إعادة بناء شبكات دعم اقتصادية واجتماعية في المهجر بالعمل في مهنة مألوفة ثقافيًا لتثبيت وجودهن وتوفير مصدر دخل سريع.

أما "بيت السمك" والذي اختاره مرتضي اسما لمطعمه في منطقة فيصل، فهو يرمز  في السودان إلى ثقافة متجذرة في واقع جغرافي واجتماعي واضح: بلد يمتد فيه النيل وفروعه عبر مدن وقرى كثيرة، ما جعل السمك خيارًا غذائيًا متاحًا وسهلًا لمعظم السكان، ومن هذه الوفرة نشأت ثقافة "بيت السمك" بوصفها مطاعم بسيطة تُطهى فيها الأسماك بطرق مباشرة دون طابع  متكلّف أو وصفات معقدة، لتتحول هذه الأماكن مع مرور الوقت إلى جزء من المشهد اليومي في المدن السودانية، ونقطة التقاء اجتماعية، تعكس علاقة السودانيين بالطعام بوصفه جزءًا من الحياة اليومية.

عندما افتتح مرتضى مطعمه منذ أكثر من 4 سنوات كنوع من البيزنس، بعد قرر المجيء لمصر والإستقرار بها، لم يكن الزبائن من المصريين بالقدر الذي عليه الآن، في البداية كان هناك استغراب من المصريين من أسماء الطعام، ولكن الأمر اختلف بعد التجربة، وأصبح هناك زبائن مصريين دائمين بشكل يومي، خاصة محبي ساندوتشات الفول والطعمية السوداني، بعدما أدخل إليها مرتضى اضافات بسيطة(طحينة السمسم) لتناسب المزاج المصري الذي يفضلها على السندوتشات، وخاصة الطلاب الذي يأتون إلى في تجمعات ومعهم أنواع من المشروبات الغازية المعروفة في السودان مثل "ستيم" و "بزيانوس"، والذي أصبحت تباع المحلات المصرية الموجودة بالمنطقة.

     

ويستعيد مرتضى بداية تجربته داخل مطعمه ليكشف جانبًا لافتًا من التشابه الخفي بين المطبخين المصري والسوداني. فبعدما افتتاح المطعم لاحظ الإقبال الكبير من زبائنه المصريين على طبق الكمونية -وهو طبق سوداني يعتمد على طهي أحشاء الذبيحة، خصوصًا الكرشة، مع خليط قوي من البهارات والصلصة والصلصة الحارة- ليكتشف أن ما يقدمه يشبه إلى حد بعيد طبق الكرشة المصري، وإن كان الأخير يُطهى عادة بصلصة أخف وبهارات أقل حدّة، دون الاعتماد على درجات التتبيل الكثيفة كما في السودان، هذا التشابه في أصل الطبق واختلافه في الروح والمذاق بدا، كما يروي، نقطة تواصل محبّبة بين الزبائن من البلدين.

وينطبق الأمر نفسه على الطعمية، التي تُعدّ إحدى أبرز "الأكلات المشتركة" لكن بفلسفتين مختلفتين فالطعمية المصرية تعتمد في اعدادها على الفول المطحون مع الخضرة، بينما تستبدل الطعمية السوداني الحمص بدل الفول، ما يمنحها قوامًا أخفّ ولونًا أدكن قليلًا، مع ميل أكبر إلى البهارات.

ومع المساحات الجديدة التي خُلقت للمطبخ السوداني، لا زالت هذه المطاعم تعاني بسبب أن إرتفاع أسعار الإيجارات والغاز والسلع الأساسية المُستخدمة في إعداد الطعام، أثرت بشكل سلبي على انتشار الطعام السوداني، خاصة وأن المطبخ السوداني يعتمد كثيرا على اللحوم، والفول العالي الجودة لاستخدامه اليومي صباحا ومساءا، وأسعار كل ذلك أصبحت أضعاف ما كانت عليه منذ تم افتتاح المطعم.

الأزمة الاقتصادية وتحولات سلوك المستهلك المصري

ليس فقط السودانيين هم من يعانون من الأزمة الاقتصادية بسب الحرب واللجوء، لكن الأزمة المعيشية تطال كثير من المصريين طوال السنوات الثلاث الماضية 2023 و2025 تحولت علاقتهم بالطعام -ذلك الطقس اليومي- إلى معركة مفتوحة، يعاد فيها تشكيل ثقافتهم الغذائية، فالزيادات المتلاحقة في أسعار السلع الأساسية دفعت المصريين إلى إعادة اكتشاف علاقتهم بالطعام، ليس من باب الذائقة فحسب، بل من باب التكيف مع الوضع المادي.

تحوّل منحنى أسعار اللحوم والدواجن في مصر إلى مرآة مباشرة لحالة الاقتصاد: صعود حادّ يعقبه هبوط طفيف لا يكفي لإراحة المستهلك، لم تكن السنوات الأخيرة سهلة على الكثير من الأسرة المصرية  بين عامي 2023 و2025، ارتسمت على مؤشر اللحوم موجة ارتفاعات غير مسبوقة -مدفوعة بارتفاع تكاليف الأعلاف الحيوانية وتذبذب سعر الصرف، وارتفاع أسعار المحروقات التي تؤثر بدورها على جميع الأسعار في مصر، ففي 2023 كان سعر كيلو اللحم الطازج يتراوح بين 180 و230 جنيهًا (نحو 3.6–4.6 دولار وفق متوسط 50 جنيهًا للدولار)، لكن مع مطلع 2025 قفز المتوسط إلى 380–400 جنيه، أي ما يعادل 7.6–8 دولارات للكيلو.

وبحسبة بسيطة، فإن شراء كيلو واحد من اللحم بهذا السعر يبتلع ما يقارب 5.7% من متوسط دخل الفرد الشهري لكثير من المصريين الذي يبلغ 7,000 جنيه -وهي نسبة كافية لشرح لماذا تراجع حضور اللحوم على موائد كثير من الأسر في مصر.

الدواجن بدورها لم تسلم من الدوامة نفسها؛ فبعد أن كان سعر الكيلو يتهادى بين 55 و65 جنيهًا (1.1–1.3 دولار) في 2023، بات المصريون يستقبلون عام 2025 بمتوسط يتراوح بين 100 و120 جنيهًا (2–2.4 دولار)، ورغم أن التراجع الطفيف في الأشهر الأولى من 2025 -بنسبة 4 إلى 5%-، إذ إن سعر الكيلو عند متوسط 120 جنيهًا يمثّل نحو 1.7% من دخل الفرد الشهري، ما يجعل استهلاك الدواجن أسبوعيًا عبئًا لا يقل وطأة عن السلع الأساسية الأخرى في سلة الغذاء المصرية.

وبالنسبة للأسر متوسطة الدخل، تُلخّص هذه الأرقام قصة أخرى: فبينما كان الحصول على وجبة لحم أو دجاج أسبوعية أمرًا مألوفًا قبل سنوات قليلة، باتت اليوم معادلة تحتاج إلى إعادة حساب، ومع استمرار هذا النسق المتصاعد أصبح ملف الغذاء، وخاصة البروتينات، أحد أكثر ملفات المعيشة حساسية، وأكثرها ارتباطًا بنبض الشارع المصري وتحوّلاته الاجتماعية.

  وسط هذا الاضطراب ظهرت مطاعم الأكل السوداني ربما كخيار مفاجئ -وربما منطقي- للمستهلك المصري، فالمطبخ السوداني مُشبِع بكميات حجم وجباته وسندوتشاته وهو بطبيعته يعتمد على اللحوم السودانية الأقل سعرًا في السوق المصري.، حيث تعود الفجوة السعرية بين اللحوم السودانية واللحوم البلدي المصرية إلى مجموعة من العوامل المتشابكة في أسواق البلدين، فالسودان يمتلك واحدًا من أكبر قطعان الماشية في إفريقيا، وتعتمد تربيتها أساسًا على الرعي الطبيعي لا التربية المكثفة، ما يخفض تكلفة الأعلاف التي تمثل العبء الأكبر على المنتج المصري، يضاف إلى ذلك اتفاقيات ثنائية تُسهِّل الاستيراد المباشر للماشية الحيّة أو اللحوم المذبوحة، مع تطبيق رسوم وجمارك أقل نسبيًا مقارنة بدول أخرى، وعند دخول الماشية السودانية إلى مصر وذبحها محليًا، تبقى تكلفة الإنتاج أقل بكثير من نظيرتها البلدي المصرية التي تتأثر بارتفاع الأعلاف المستوردة وتقلب سعر الصرف، ونتيجة لذلك تصل اللحوم السودانية إلى المستهلك المصري بسعر أدنى، لتصبح خيارًا اقتصاديًا شائعًا في ظل الضغوط المعيشية الحالية.

كما يعتمد المطبخ السوداني مكوّنات منخفضة التكلفة مثل كالذرة والبقوليات والدهون الحيوانية، ما يجعل تكلفة الوجبة النهائية أقل بشكل واضح من نظيرتها المصرية، فالمصري الذي اعتاد أن يدفع في وجبة لحمة أو دجاج أو حتى كشري مبلغًا لا يستهان به، وجد أمامه بديلًا قادرًا على الإشباع وبسعر يناسب ميزانيته، لتصبح وجبات مثل العصيدة أو الفتة السوداني ليست فقط اختلافًا ثقافيًا، بل معادلة اقتصادية: طعام يشبع، بطعم قوي،ومواد خام جيدة، وبتكلفة يمكن تحمّلها، فالعصيدة التي تصنع  عبر خلط دقيق دقيق الذرة مع الماء وطهيه حتى يتماسك، ولأن الذرة ليست مرغوبة مثل القمح فان سعرها أرخص.، أمالفتة السوداني أو كما يطلق عليها "البوش" والتي هي عبارة عن تقطع العيش إلى قطع صغير- وغمره  بماء الفول عليها وأية اضافات أخرى حسب المزاج.، مما يجعل الوجبتين-العصيدة والبوش- اقتصاديتان للغاية.

ومع اتساع قاعدة الزبائن المصريين قد يصبح المطبخ السوداني -دون تخطيط مُسبق- لاعبًا اقتصاديًا في سوق الطعام الشعبي، ولعل المفارقة أن كثيرًا من أصحاب المطاعم السودانيين أنفسهم لم يتوقعوا هذا الإقبال، فقد بدأوا نشاطهم بالأساس لخدمة أبناء الجالية الهاربة من الحرب، ثم اكتشفوا أن المصريين ــ خصوصًا الطلبة والعمّال والموظفين ــ يبحثون عن "شبع بسعر معقول"، تمامًا كما يبحث السودانيون عن مأوى آمن في بلد جار.

لكن الانتشار لم يكن اقتصاديًا فقط، فصورة الطعام السوداني في الوعي المصري تغيّرت بفضل السوشيال ميديا، حيث تؤثر الإعلانات والدعاية الممولة التي تقوم بها كثير من المطاعم السودانية في مصر للتسويق لنفسها إلكترونيا، عبر صور ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة مثل:"فيسبوك" و"تيك توك" و"انتستجرام"، وأحيانا يتم الإسعتانة فيها بـ "فوود بلوجر" مصريين َيظهرون من داخل هذه المطاعم بصحبة صاحب المطعم أو مع الطهاة ويقومون بتقديم الأكلات السودانية للجمهور.

لتساعد هنا السوشيال ميديا أيضا على توصيل الثقافة السودانية بشكل أوسع، ففديوهات الأكل السوداني هذه ليست متعلقة بالطعام فقط، لكنا تُوَصِل بشكل تلقائى أشياءًا أخرى أبعد وأعمق، منها سبيل المثال اللغة السودانية التي تظهر خلال هذه الفيديوهات، والتى أصبحت مفهومة حاليا لكثير من المصريين.

وليحدث-ربما لأول مرة- تقديم للثقافة السودانية بصورة ايجابية، فبعد أن كان بعض المصريين يضحون على طريقة كلام السودانيين، أصبح هناك ليس فقط قبولا لها، ولكن آذان كثير المصريين أصبحت تلتقط لجهة لغوية تسمعها وتفهمها بل وأحيانا تستخدم كلمات منها أثناء الحديث.،لتتحول الدعايا الإلكترونية لهذه المطاعم إلى موجة تلقائية من الترويج الشعبي، لم تكن هناك حملات منظمة، بل فضول جماعي لملامسة ثقافة مجاورة عبر أبسط وسائطها: المذاق، فبعض هذه الفيديوهات وصلت لملايين المشاهدات، وخلقت تيارًا من الفضول الغذائي، يُشبه ما حدث مع المطبخ السوري قبل سنوات مع فارق سنوات وظروف التجربة.  

 

في هذا التقاطع بين الضائقة الاقتصادية والرغبة في التجربة يظهر جوهر الظاهرة: الأزمة ليست السبب الوحيد لانتشار المطبخ السوداني، لكنها كانت المُسرّع الأكبر، هي دفعت المصريين إلى إعادة التفكير في خياراتهم الغذائية، لكنها وحدها لم تكن كافية لتفسير حجم الإقبال.، فالطعام السوداني حقق معادلة أخرى: اختلافًا ذوقيًا، وفضاءً للتواصل الإجتماعي بين مصريين وسودانيين، ونقطة مشتركة يلتقي فها الاقتصاد بالهوية، وتلتقي الأزمة بالفضول، وتتحول مائدة الطعام السودانية إلى مساحة يُعاد فيها بناء علاقة بين مجتمعين تقربهما الجغرافيا وتُباعدهما السياسة.

يحكي طارق جمال وهو من المصريين المحبين للأكل السوداني أن أول ما لفت نظره وهو يسير في شوارع حيه السكني بـ" عيش شمس الشرقية" (شمال شرق القاهرة) هو أسماء المطاعم والمخابز السودانية التي بدأت تنشر مثل: "بنت النيل"(التي تعني بنت السودان، فالنيل في الثقافة السودانية يرمزإلى الحياة والهوية) ، "أجاشي"(عبارة عن شرائح من اللحم إليها البهارات السودانية الحارة ويتم شواؤها وهي أصلا من دارفور)، "سنتر السودان"(تعنى وسط الخرطوم )، "دكاني"(تعنى محلي أو مطعمي أو مخبزي) هي من دفعته مع انتشارها المتزايد إلى تجربة المطبخ السوداني.

يقول طارق أن علاقته بالأكل السوداني تتمثل بشكل رئيسي في وجبة الإفطار الذي يتناولها وقت الظهيرة، فالطعمية السوداني المضاف عليها جبنة والفول هما أحد سندوتشاته المفضلة، مشيرا إلى أنه بجانب حبه"الأجاشي"، واعتماده للعيش السوداني في مُعظم أكلاته، ينوي تجربة تجربة "ملاح الروب" (طبخة مصنوعة من الزبادي وعليا ويكا -بامية مجففة- أو قطع لحم صغير)، ويكثر الإقبال على "الروب" بين السودانيين في شهر رمضان، مثلما يفعل المصريون مع الزبادي (حيث يساعد بسبب طريقة تخميره على إراحة المعدة، وعدم الشعور بالعطش، لذا يكثر إستخدامه عقب وجبة طعام السحور في رمضان، ويدخل في مكونات أنواع من الطعام و السلاطات كما في  المطبخ السوداني.

غالبية المطاعم المصرية بالمناطق الشعبية الذي تقدم طعام الإفطار (وفي القلب منه الطعمية والفول) بالمناطق الشعبية تعمل فقط منذ الصباح الباكر وحتى الساعة الثانية عشر ظهرا -أي منصف اليوم-، بخلاف المطاعم السودانية والتي تقدم هذه الأصناف على مدار اليوم وحتى ساعات متأخرة منه، مما يعطي مساحة للكثير من المصريين في هذه المناطق -ممن يبدأون يومهم متأخرا سواء بحكم العمل أو أية ظروف أخري- في الحصول على وجبة افطار طازجة في أي وقت من اليوم.

وعن أكثر ما لفت نظره عن شكل التعامل داخل المطاعم السودانية هو حالة التشابه في العمل بين جميع أفراد طاقم المطعم، لدرجة لا يستطيع الزبون معها معرفة صاحب المطعم من العاملين، وهذا دليل على حالة التعامل بمنطق أدبي مليىء بالألفة فيما بينهم، وهذا يختلف بشكل كبير عن كثير من المطاعم المصرية(التي يملكها مصريين) في طريقة التعامل، حيث العلاقات بشكل تراتبي متسلسل، وفي أحيان كثيرة يتعامل صاحب المطعم مع العمالة الموجودة معه بمنطق إشرافي لربما يغلب عليه طابع طبقى.، وربما حالة الألفة هذه تكون جاذبة للمصرين تجاه الأكل السوداني.

وفي تباين يٌظهر الاختلاف الموجود في "ثقافة العمالة" بين السودانين والمصريين، يقول محمد أن ما لفت نظره أيضا أن "البائع السوداني" يتعامل مع الزبائن بشكل أهدىء ويتحمل كثرة الطلبات وتبديلها دون تأفف،على عكس كثير من العمالة المصرية، التي يغلب عليها الطابع العصبي في التعامل، التى ربما تكون ناتجا عن المتطلبات والظروف الإقتصادية الضاغطة التي جعلت منطق التبادلات المالية هو الأساس قبل أي شيىء في كل التعاملات، وهذا المنطق الذي يجعل من مركزية "المال" الأداة الوحيدة للتمكن الاقتصادي في مصر، لا يشبه منطق المنظومة الاقتصادية في السودان حيث متطلبات السكن والمعيشة فيه أقل بكثير، لذلك يجد كثير من أصحاب المطاعم السودانية في مصر براحا أكبر للاستثمار في جودة الطعام وفي بناء علاقات انسانية اجتماعية من خلال العمل، وربما ذلك هو ما يجعل الكثير من العٌمَال -سواء سوادنيين أو مصريين- يفضلون العمل في أماكن يملكها ويديرها سودانيين.

وحول الإندماج مع المصريين في بيئة العمل يقول مرتضى أنه  بحكم أن فيصل يسكنها الكثير من أبناء صعيد مصر،  حدثت بينه وبين الكثير منهم صداقات عديدة، ويتبادلون الزيارات فيما بينهم في جميع المناسبات في مساحة تواصل اجتماعي جديدة تفتحها المطاعم السودانية امتدت إلى المنازل، لدرجة أنه ذهب إلى سوهاج بجنوب مصر، أقام ثلاثة أيام لحضور عرس أحد أصدقائه، ليفاجأ هناك بالتقارب الكبير بين مصر والسودان في العادات والتقاليد المتعلقة بالزفاف خاصة المرتبط بالطعام منها.، كما حكى مرتضى أيضا عن أن  أحد زبائنه المصريين، حين رأى في المطعم سيدة سودانية (زبونة للمحل أيضا) لديها أزمة في دفع إيجار السكن التي تقيم فيه بصحبة أبنائها، أصر على أن يدفع لصاحب الشقة إيجار 3  ثلاثة أشهر لها لحين تدبير أمورها، ورفض أن يأخذ جنيها واحدا من سودانيين شهدوا الواقعة و أرادوا المساهمة في دفع المبلغ.

وحول المقارنة بين أسعار المطاعم السودانية والمصرية يقول طارق-المصري المحب للأكل السوداني- أنه بالنظر إلى حجم وجودة الأكل الموجود في المطاعم السودانية يجعلها أرخص سعرا من المصرية، معللا السبب في استقرار أسعار الأكل السوداني هو هامش الربح القليل الذي يحصل عليه معظم أصحاب المطاعم السودانيين (من بينهم أصدقاء له)، فالإهتمام بالمكسب المادي لا يكون بنفس الحجم الذي يريد أن يحصل عليه صاحب المطعم المصري.

وعن هذا المنطق الذي جعل معظم أصحاب المطاعم السودانيين القادمين من الحرب يقدمون "الجودة" على "الربح" المادي أولا، يقول مرتضى صاحب بيت السمك:"أن طبيعة معيشة المواطن السوداني -التي لا تتضمن متطلبات ضخمة في السكن والمعيشة- تنعكس على طباعه تجاه الاشتباكات والتطلعات المادية في الحياة، خاصة حين يتعلق الأمر بالطعام أيا كان الزبون".

ويحكى مصطفى ممدوح المحب أيضا للطعام السوداني بحكم كثرتها في منطقته السيدة زينب بوسط القاهرة، عن طرافة بداية علاقته بالأكل السوداني والتي جائت بسبب حبه لمعرفة وفهم اللهجة السودانية، لذلك يتردد المطاعم والمخابز والمحلات السودانية، مشيرا إلى أن فهمه للهجة مفرداتها، سهل عليه الإطلاع أكثرعلى الثقافة السودانية، الذي أكد أن كثيرا من معلوماته عنها -والذي تشكلت بفعل التلفزيون والسينما كانت مغلوطة.

الجذور التاريخية للتقارب الغذائي بين المصريين والسودانيين

على امتداد آلاف السنين، ظل وادي النيل مسرحًا للتبادل والتداخل بين شعوبه، وهو تداخل لم يكن يومًا سياسيًا فقط، بل غذائيًا وثقافيًا قبل أي شيء.، ومع كل موجة هجرة أو تحوّل سياسي، كانت مائدة الطعام تتحرك بدورها، تتوسع أو تنكمش، لكنها لا تنقطع أبدًا.

عند النظر إلى علاقة المصريين بالسودانيين عبر التاريخ، يُلاحظ أن الطعام كان أحد أكثر الجسور نعومة ومتانة بين الشعبين، ورغم وجود اختلافات ما بين طابع المطبخ المصري النيلي الزراعي، والمطبخ السوداني المتأثر أكثر بموروثات شرق أفريقيا وغربها — فإن نقاط الالتحام كانت أكثر مما يُعتقد، وقد ساعدت على خلق ما يمكن تسميته بـ"ذائقة نيلية مشتركة" ظهرت عبر القرون وأعيد إنتاجها اليوم في الكثير من الشوارع المصرية.

منذ الدولة المصرية القديمة كانت التجارة بين الجنوب والشمال عنصراً دائماً في تشكيل الطعام، فالمصادر التاريخية تشير إلى تبادلات للسلع الزراعية والحيوانية بين مصر وممالك النوبة القديمة، ومن بينها نباتات وبذور وتوابل انتقلت تدريجيًا إلى الشمال، كما لعبت أيضا "القوافل" دورًا مهمًا في حركة الطعام ليس على مستوى السلع، بل عادات طهي. فالرحالة الذين يجوبون الطريق التجاري الممتد من دنقلا حتى أسوان كانوا يحملون معهم أساليب حفظ الطعام بالتمليح أو التجفيف، وهي طرق ظهرت لاحقًا في وصفات مصرية شعبية منتشرة حتى الآن.

ومع دخول الإسلام إلى مصر والسودان، برزت طبقة جديدة من التشابه، إذ أصبحت طقوس الطعام مرتبطة بالمناسبات الدينية المشتركة، وبعدها فترات الدولتين المملوكية والعثمانية، والتي أضافت أيضا نوعًا من التشابك، إذ انتقلت طرق طهي جديدة عبر جنود الجيش والتجار، وهناك أكلات مثل الفسيخ والملوحة والقديد السوداني لها نظائر مصرية ظهرت في الجنوب ثم انتشرت شمالاً مع الزمن.

 ومع بداية القرن العشرين، بدأت العلاقات الغذائية تتخذ طابعًا اجتماعيًا مباشرًا، فنتيجة الهجرات المتبادلة بين البلدين -سواء في فترات العمل الموسمي أو الانتقال الدائم-  ظهرت ملامح ذائقة مشتركة في مدن مثل أسوان وحلفا ووادي حلفا، حيث كان المصريون والسودانيون يعيشون في نسيج واحد، ويتبادلون الطعام خلال الأفراح والعزاء والمناسبات، ووصلت هذه الثقافة إلى القاهرة والإسكندرية من خلال الجيش والطلبة السودانيين في الجامعات المصرية الذين كانوا يعدّون أطعمتهم التقليدية داخل السكن أو النوادي، فيشاركهم المصريون الفضوليين.

وواحدة من أهم التفاصيل التاريخية التي حدثت في القرن العشرين أيضا هى "لحظة الإستعمار" ودوره في  تشكيل المنظومة الغذائية في السودان ومصر، بما حملته من سياسات غذائية قسرية تركت أثرًا طويلًا في بنية الإنتاج الزراعي وفي مفهوم الأمن الغذائي ذاته، فقد فرضت القوى الاستعمارية، خصوصًا خلال الحرب العالمية الثانية، تحويل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في السودان ومصر إلى زراعة القمح والقطن، خدمةً لاحتياجات الجيوش البريطانية التي عجزت أوروبا آنذاك عن إطعامها من أراضيها، وهكذا جرى استبدال محاصيل محلية كانت تمثّل عماد النظام الغذائي للشعبين بمحاصيل تخدم السوق العالمي وتُدِر عائدات مالية، دون اعتبار لتأثير هذا التحوّل على احتياجات السكان الفعلية، لتستمر هذه الأولويات الاقتصادية حتى بعد رحيل المستعمر، إذ واصلت الحكومات المتعاقبة التركيز على المحاصيل "القابلة للتصدير" على حساب المحاصيل التقليدية الضرورية للأمن الغذائي، ففي السودان، تحديدًا، بلغ المشهد ذروته حين كان القمح يُحصَد من الأراضي السودانية ليُشحن إلى الخارج بينما تعاني قطاعات من الشعب نقصًا في الغذاء، في مفارقة تلخّص إرثًا استعماريًا لا يزال يترك أثره في المائدة حتى اليوم.

ولا يمكن تجاهل الدور الكبير لعناصر غذائية مختلفة جسدت هذا الامتزاج مثل: “الملوخية الناشفة" و"العصيدة" و"البهارات"، و"البامية" أو "الويكا" بالسوداني -وتعنى البامية المجففة-، والذي يأكها المصرين بعد طهيها بالصلصة، والتي هي "الويكا" (البامية المجفة)، وهي تطبخ في مصر عادة خضراء خضراء عقب حصادها بصوص الطماطم، بينما تُحضَّر الويكة السودانية بطريقة مختلفة، تطهى بعد تجفيفها مع المرق مما يمنحها يمنح قوامًا أكثر كثافة ونكهة أعمق.  

وتعتبر هذه العناصر أحد أهم الجسور الغذائية بين المصريين والسودانيين، فكثير من المصريين الذين يجربون الويكة في مطعم سوداني اليوم، يعتقدون أنها شيء جديد تمامًا، لكنها في الحقيقة امتداد لوصفة نوبية قديمة اشترك فيها الطرفان، وكانت الويكة لقرون وسيلة لتخزين البامية واستعمالها طوال العام، في جنوب مصر وشمال السودان على السواء، قبل ظهور الثلاجات أو طرق حفظ الطعام الحديثة.

ولعب الإعلام (قبل السوشيال ميديا) دورًا خافتًا لكنه مؤثر، فكثير من الأغاني السودانية التي انتشرت في مصر في السبعينيات والثمانينيات وكانت تُذيعها الإذاعة المصرية وتحتوي عبارات عن الطعام السوداني، ما خلق بداية لارتباط ذهني، لكن اللحظة الفاصلة جاءت مطلع الألفية مع انفتاح الحدود التجارية، حيث بدأت منتجات سودانية بسيطة مثل "الدكوة" (زبدة الفول السوداني) و"الشطة" والتوابل بأنواعها المختلفة تتسرّب إلى أسواق شعبية متعددة في القاهرة.

لذلك يمكن القول إن الثقافة الغذائية السودانية لم تكن يومًا غريبة بالكامل عن المصريين، لكنها كانت كامنة داخل طبقات اجتماعية معينة أو محصورة في مناطق جغرافية محددة مثل وسط المدينة في القاهرة والاسكندرية، ومع موجة اللجوء السوداني بعد الحرب الأخيرة، ظهرت هذه الثقافة بشكل واضح في كثير من المناطق، فأصبح المصري يراها لا في المناسبات أو المناطق الحدودية، بل في شارع جانبي بجوار بيته، ومن هنا بدأت إعادة اكتشاف العلاقة الغذائية القديمة، لكن في سياق جديد تمامًا، سياق يُشكله الاقتصاد والتوترات المجتمعية، وتحوّلات الذوق العام.

هذه الخلفية التاريخية تمثّل الأساس الذي سمح للأكل السوداني بالصعود السريع في مصر اليوم، ليس باعتباره مجرد "أكل لاجئين" بل كفرصة لتجريب مطبخ قريب من المصريين جغرافيًا وثقافيًا، ومختلف بما يكفي ليثير الفضول، وأسعاره تمكنه من أن يكون خيارًا يوميًا في عصر الغلاء.

التاريخ السياسي بين مصر والسودان وتأثيره على التصور المتبادل

لا يمكن فهم استقبال المصريين للمطبخ السوداني اليوم بمعزل عن التاريخ السياسي الطويل والمعقد بين البلدين، فالمائدة، مهما بدت بريئة، لا تنفصل تمامًا عن الروايات التي تصنعها السياسة، ولا عن الصور الذهنية التي تتشكّل عبر الإعلام والتعليم والخطاب العام، وعلى مدار قرن على الأقل ظلّت العلاقة بين مصر والسودان تتأرجح بين التقارب والتوتر، بينما عاش الشعبان حالات من القرب الاجتماعي تتناقض في كثير من الأحيان مع المزاج السياسي الرسمي الحاكم.

يبدأ هذا التاريخ الحديث من الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري (1899)، وهو نظام سياسي فريد كانت مصر فيه شريكة شكلية في حكم السودان بينما كان الإحتلال البريطاني صاحب السلطة الحقيقية، وهذا الوضع خلق حساسية مزدوجة: فكثير من السودانيين رأوا في المصريين امتدادًا للسلطة المركزية، بينما كان المصريون يعتبرون السودان جزءًا من "المجال الطبيعي لمصر".، ومع مرور الوقت، ترسخت تصورات متباينة حول الهوية والسيادة والانتماء، وكان لهذه الاختلافات أثر مباشر في تكوين صور ذهنية لدى الطرفين، بعضها ظلّ مستمرًا حتى اليوم.

ثم جاءت مرحلة الاستقلال عام 1956، التي شكّلت نقطة تحول حاسمة، ولم يكن استقلال السودان مجرد حدث سياسي، بل لحظة انفصال شعوري بين بلدين جمعتهما الجغرافيا وفرقتهما المسارات السياسية، ففي مصر استمر الخطاب العام لدى الكثيرين في التعامل مع السودان بوصفه "كنا دولة واحدة" باعتبار تبعية السودان لمصر، أو "الأخ الأصغر" أو "الجار الأقرب" وخلافه، بينما سعى السودانيون لتأكيد استقلالهم وهويتهم الوطنية، هذا التباين خلق أحيانًا فجوة يتردد صداها حتى اليوم في النقاشات الشعبية في المطاعم وعلى المقاهي.

وعلى مدار العقود التالية، لعبت قضايا المياه دورًا مركزيًا في تشكيل العلاقات بين البلدين، فعندما أصبح نهر النيل محورًا لصراعات التنمية، تحولت المياه من مورد مشترك إلى مساحة توتر بين البلاد، ومع ازدياد الحديث حول ملف سد النهضة في العقد الأخير، ازدادت الحساسية داخل الخطاب الرسمي المصري تجاه أي دولة جنوبية على النيل، بما في ذلك السودان، الذي رآها في موقف "الجار المتردّد" في الصراع بين القاهرة وأديس أبابا، وربما انعكس هذا السياق السياسي على الوعي الشعبي بشكل غير مباشر، إذ بات بعض المصريين يسقطون على السودانيين مواقف دولتهم من قضايا لا علاقة للمواطن السوداني العادي بها.  

وهناك أيضا قضية حلايب وشلاتين فقد ظلت واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين، صحيح أنها لم تتحول إلى صراع مباشر، لكنها خلقت طبقة جديدة من توتر صامت، يظهر في الخطاب الإعلامي كلما اشتدت الأزمات السياسية، ومع كل جولة توتر، كانت الصور النمطية تُستدعى من جديد، وتتجدد أخطاء التصور المتبادل بين الشعبين.

هذا التاريخ السياسي، بما يحمله من تعقيد وعدم استقرار، انعكس بقوة على صورة السودانيين في الإعلام المصري، ففي فترة الستينيات من القرن الماضي كانت الصورة رومانسية متأثرة بخطاب "وحدة وادي النيل"، لكن خلال الثمانينيات والتسعينيات ظهرت صور نمطية أخرى مثل : السوداني الهادئ، الطيب، الفقير، القادم للعمل في وظائف دنيا، وبعدها ومع اضطرابات العقد الماضي ظهرت على السطح نبرة ساخرة و متعالية  في بعض الأعمال الدرامية والسينمائية والإعلامية(مستمرة حتى الآن)، كرّست شعورًا بالتمييز والتنمر لدى كثير من السودانيين.

 لكن حين ننظر إلى واقع انتشار الأكل السوداني اليوم، نجد مفارقة لافتة، فبينما لم تنجح السياسة في خلق علاقة مستقرة، نجحت الثقافة الغذائية في اختراق هذه الحواجز، فالمطاعم السودانية بخلاف الخطابات السياسية لا تعترف بالحدود، والمصري الذي يدخل مطعمًا سودانيًا غالبا لا يُفكّر في حلايب وشلاتين، ولا في الحكم الثنائي، ولا في اتفاقيات نهر النيل، ما يهمه هو الطَعم والسعر والدفء الإنساني الموجود داخل المكان.

وبشكل غير متوقع، لعبت الأزمة الاقتصادية دورًا في إعادة تشكيل التصورات حول الطعام، فحين اكتشف المصريون أن المطبخ السوداني يقدم وجبة دسمة بسعر معقول، وبتعامل لطيف من العاملين، بدأت الصور النمطية القديمة تتصدع تدريجيًا، بل إن بعض الزبائن ينظرون إلى طهاة سودانيين باعتبارهم أصحاب مطبخ مختلف، وهي صورة جديدة لم يعتادها الطرفان من قبل، وفي لحظة نادرة، يتقدم الطعام على السياسة كمجال لصناعة سردية جديدة للعلاقة بين الشعبين.

وهذا لا يعني أن كل آثار التاريخ السياسي قد اختفت، فلا تزال بعض المواقف اليومية تكشف عن وجود تمييز أو تنمّر تجاه السودانيين في الشارع المصري، خاصة مع تزايد الهجرة القسرية بعد الحرب. لكن انتشار المطاعم السودانية خلق — ربما لأول مرة — مساحة تواصل إنساني مباشرة، تمارس تأثيرًا مضادًا للصور النمطية السلبية. فحين يجلس مصري وسوداني على الطاولة نفسها، أو حين يتذوق المصري طبقًا لم يكن يعرفه من قبل، يصبح الطريق إلى فهم أعمق للآخر أقصر وأكثر صدقًا.

لذلك يمكن القول إن الطعام اليوم يقوم بالدور الذي عجزت عنه السياسة، بناء علاقة يومية، بسيطة، وصادقة بين المصريين والسودانيين. وربما، على المدى البعيد، يكون هذا التقارب الغذائي مدخلًا لإعادة صياغة التصورات المتبادلة، بطريقة تتجاوز المشاحنات الرسمية وملفات الحدود والأنهار، فالثقافة التي تبدأ من المائدة عادةً ما تمتد إلى ما هو أبعد.

الهجرة والاندماج من خلال الطعام.. "تحول" ثقافي أم "موجة" عابرة

ينظر كثير من علماء الاجتماع إلى المطاعم في المدن الكبيرة بوصفها "مساحات اجتماعية وسيطة" تلعب دورا مهما فى بناء علاقات اجتماعية بعيدا عن ديناميكية المنزل أو العمل، وهذا بالضبط ما حدث في المطاعم ومحلات الطعام السودانية في مصر، فداخل هذه المساحات بدأ الاحتكاك والتعامل بين المصريين والسودانيين يتخذ شكلًا أكثر طبيعية، وينشأ نوع من "المشاهدة المتبادلة"، حيث يرى كل طرف الآخر في لحظة إنسانية بسيطة هي لحظة الأكل، التي تُعد من أكثر أشكال التفاعل صدقًا، لأنها تعتمد أكثر على الإيماءات الإنسانية.

يقول عثمان الجد مدرس التاريخ الذي جاء مصر بعد الحرب مباشرة، والعام الماضي افتتح مطعمه بحي الهرم و الذي سماه "الرومي" إسم منطقته -محطة الرومي- في أم درمان)  أن الكلام حول الطعام مع الزبائن المصريين غالبا ما ينتقل إلى التاريخ والجغرافيا المشتركين، وأن الأكل السوداني استطاع أن يكسر كثير من الحواجز النفسية التي بنيت عبر السنوات بسبب الإنفصال بيت الشعوب التي بنته الأنظمة السياسية، لافتا إلى أنه رغم عدم طول مدة عيشه في مصر إلا أنه أصبح لديه أصدقاء عَرفهم من خلال عمله بالمطعم، يشعر وكأنه يعرفهم منذ سنوات طويلة، من فرط الود والتفاهم.

تداخل الهويتين… وبذور مطبخ هجين

مثلما بدأت الكثير من المطاعم السودانية في اضافة لمسات مصرية (حسب طلب الزبائن)، اختار عثمان بجانب ذلك أن يدخل إلى قائمة مطعمه أكلات مصرية مثل "الحواووشي" و"الشيش طاووق" بنكهات سودانية، وذلك بعد أن لاقت قبولا لدي زبائنه الذين جربوها، وأنه ينوي أن يجرب عمل الكريبب والذي أصبح منتشرا في مصر والفطائر بـ"الأجاشي".

وما يحدث هذا يعد نوعا من أشكال التلاقح الغذائي أو ما يطلق عليه "المطبخ التوليفي"، الذي يعتبر من أهم أشكال الاندماج، الذي ربما يؤدي مستقبلا إلى وجود "مطبخ مصري–سوداني هجين، يشبه ذلك الذي نشأ بين المصريين والسوريين في العشر سنوات الماضية، بحكم المؤشرات الأولى لانتشار المطاعم السودانية في كثير من موجودة في الأحياء الشعبية في مصر.

وبجانب التحديات الاقتصادية التي تواجه أصحاب مشاريع الطعام السوداني في مصر — من ارتفاع الإيجارات والخدمات وأسعار السلع الأساسية — يشير عثمان إلى تحدٍّ آخر يؤثر على انتشار هذه المطاعم، وهو ما يسميه "التنوع المحدود"، ويَقصد به أن المطبخ السوداني كما يُقدَّم في مصر اليوم يعتمد على نطاق ضيق من الأطباق التقليدية المتوارثة، لأن أغلب المطاعم تركز على الوجبات الأبسط والأقل تكلفة في التحضير ومعظمها أطباق يمكن إعدادها بمكوّنات متاحة وسعرها مستقر نسبيًا، ويضيف عثمان أن هذا القيد ليس ثقافيًا فقط، بل مادي ولوجستي في المقام الأول؛ فالكثير من المكونات السودانية الأصلية لا تتوفر بسهولة في الأسواق المصرية بسهولة أو تصل بتكلفة مرتفعة، ما يجعل أصحاب المطاعم يتجنبون إدراج أطباق تحتاج إلى خامات معقدة أو غير متاحة، كما أن قلة الطهاة المتخصصين في الأكلات السودانية الإقليمية تفرض بدورها نمطًا محافظًا في قوائم الطعام، لذلك يتوقع عثمان أن تتجه المطاعم في السنوات المقبلة إلى التنقيب في الموروث الشعبي للمأكولات السودانية، واستعادة أطباق محلية من دارفور أو الشرق أو الشمال، ليس فقط كنوع من التَحدِيث، بل أيضًا كجزء من المنافسة والتميّز بين المطاعم نفسها، مما سينعكس على توسيع جمهور المطبخ السوداني في مصر.

هكذا وعلى مدار العامين الماضيين، بدأ المشهد الغذائي في المدن المصرية وكأنه يتحرك في مسار غير مألوف، مطاعم ومخابز سودانية تفتح أبوابها في أحياء شعبية، وجمهور مصري يتعامل مع وجبات لم تكن جزءًا من يومه قبل فترة وجيزة، وتغيرات اقتصادية تُعيد تشكيل فكرة الثقافة الغذائية المصرية.

وتتبع المؤشرات حول ما إذا كانت هذه التغيرات بداية لتحول ثقافي طويل المدى، أم أنها مجرد موجة غذائية ستخفت بزوال شروطها؟، قد يؤدي إلى عدة سيناريوهات أولها: سيناريو "الاستقرار التدريجي"، بأن يصبح المطبخ السوداني جزءًا من المشهد الغذائي المصري كما حدث مع المطبخ السوري قبل نحو عقد، وحينها لم يكن التبني المصري للطعام السوري مجرد تبادل وصفات من منطلقات مختلفة؛ بل تحوّل إلى نمط جديد من الاستهلاك والعلاقات، وتكرار ذلك مع السودانيين احتمال قائم، خصوصًا مع تنامي الروابط اليومية بين الطرفين داخل المطاعم والشوارع والأسواق.، وهنا تجدر الإشارة إلى أن التجربة السودانية تختلف عن التجربة السورية رغم التشابهات الظاهرة، فالسوريون وصلوا إلى مصر في موجة منظمة نسبيًا، واستطاعوا بسرعة بناء نموذج اقتصادي متماسك، انعكس على مطاعمهم ومحلاتهم الغذائية، بينما جاء السودانيون في ظروف أشد قسوة، وتحت ضغوط يومية أكبر، ما جعل بناء استقرار اقتصادي مهمة أكثر مشقة، ومع ذلك تمكن الطعام السوداني من تثبيت أقدامه رغم الظروف.

أما السيناريو الثاني فهو أن تبقى الظاهرة في إطارها المحدود، مرتبطة بقوة بالواقع الاقتصادي الحالي، فإذا انخفضت الأسعار أو تغيّرت ظروف السوق، قد يتراجع الحضور السوداني دون أن يختفي تمامًا، فيظل موجودًا كـ"اختيار مختلف" وليس كبديل واسع الانتشار، وهذا السيناريو يفترض أن الإقبال المصري نتاج ظرف اقتصادي طارئ، وليس ثمرة قبول ثقافي كامل.

وهناك سيناريو ثالث لكنه أكثر تعقيدًا وهو أن ما يحدث اليوم يتجاوز الطعام إلى ما هو أبعد، إعادة تشكيل العلاقات الشعبية بين بلدين عانيا طويلًا من سوء الفهم والتوتر السياسي، فالمطاعم ومحلات الطعام السودانية رغم بساطتها، نجحت في تقديم مساحة يومية يتبادل فيها المصريون والسودانيون التجربة بعيدًا عن خطابات التنمر والتحريض التي تظهر على السوشيال ميديا، وفي تلك المساحات الصغيرة -طاولة مشتركة أو طبق يُقدم لزبون جديد-قد تتشكل سرديات مختلفة عمّا تروّجه السياسة.

وقد يستطيع المطبخ من منظور سياسي غير مباشر، أن يقوم بدور فشل فيه الخطاب الرسمي لسنوات، فخلق اتصال يومي، حميمي، وغير مؤدلج بين شعبين، هذا النوع من الاتصال -الذي لا يمر عبر القنوات الدبلوماسية- يترك أثرًا أطول عمرا لأنه يتأسس على الاحتكاك الإنساني لا على الاتفاقيات، وربما يحمل هذا التحوّل ملامح ما حدث مع المطبخ السوري بعد 2011، حين أصبح الطعام مدخلًا لإعادة تعريف صورة السوريين في المخيال المصري، ولبناء شبكة اقتصادية واجتماعية ما زالت قائمة حتى اليوم.

لكن الفارق هنا أن السودانيين لا يستندون فقط إلى المطبخ، بل إلى تاريخ ممتد من التقارب الجغرافي والثقافي، يجعل المطبخ وسيلة لإحياء ما كان قد خفت تحت ضغوط السياسة، وإذا كانت هذه الموجة ستترك أثرًا بعيد المدى، فلن يكون لأنها واكبت أزمة معيشية، بل لأنها كشفت هشاشة الحدود بين الثقافتين، وقدرة الطعام على إعادة رسمها بهدوء.

في النهاية، ربما يكون السؤال الأعمق: هل يستطيع طبق يقدم على مائدة خشبية بسيطة أن يُعيد توصيل ما انقطع بين بلدين؟ لا أحد يملك إجابة قاطعة، لكن ما هو مؤكد أنّ هذه المطاعم –بإيقاعها اليومي وبشرها العابرين وبطعامها الذي يعبر الحدود بلا جواز سفر– تفتح نافذة جديدة لفهم معنى الجوار. فالهجرة تفرض الاحتكاك، والأزمة تدفع إلى البحث عن بدائل، لكن الطعام وحده قادر على صياغة علاقة مستمرة، لأنه يشتبك مع أبسط ما في الإنسان: حاجته إلى الدفء، والملح، والطمأنينة.

وهكذا، بينما يختلف السياسيون على الخرائط، يعيد الناس العاديون رسم خريطتهم الخاصة، خريطة تصنعها الملاعق أكثر مما تصنعها المفاوضات، ويبدو أن أثرها -حتى لو بدأ بمطعم صغير في فيصل- قد يكون أبعد مما نتصور.

المراجع:

كتاب"مياة النيل في السياسة المصرية..ثلاثية التنمية والسياسية والميراث التاريخي"، أيمن السيد عبدالوهاب.

كتاب "الحكم المصري في غرب السودان من 1899 :1821م "، د.تحية محمد أبو شعيشع.

ACAPS. (2025). Country Analysis: Egypt. Available at: https://www.acaps.org/en/countries/egypt?utm_source=chatgpt.com.

Mehta, V. & J. Bosson. (2010). Third Places and the Social Life of Streets. Environment and Behavior 42(6): 779-805. DOI:10.1177/0013916509344677.

ع، عبد الهادي.(2024). ست الشاي "كوفي شوب" السودان. الجزيرة.

https://www.ajnet.me/culture/2017/4/6/%D8%B3%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%8A-%D9%83%D9%88%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86

n.a. (2023, June 9). Egypt signs cattle, frozen meat deal with five countries to expand supply source. Food Business: Middle East & Africa.

https://www.foodbusinessafrica.com/egypt-signs-cattle-frozen-meat-deal-with-five-countries-to-expand-supply-sources/?utm_source=chatgpt.com

https://www.almasryalyoum.com/news/details/2906428?utm_source=chatgpt.com