"يعيش بالسنغال منذ عقود طويلة من الزمن أكثر من عشرة آلاف مواطن لبناني، يشعرون فيها وكأنهم في وطنهم الثاني، فهم يعرفون عاداتنا ويتحدثون لغاتنا وتربطهم بالسينغاليين وشائج صداقة وأخوة قابلة للصمود في وجه تقلبات الزمن."
الرئيس ليوبولد سيدار سنغور[1]
لقد كانت مرحلة التحرر من الاستعمار، التي انطلقت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وانتهت بإعلان استقلال السينغال سنة 1960، مرحلة مفعمة بالمحن والتحديات، كما وصفها أول رئيس للبلاد، "ليوبولد سيدار سنغور." فبعد انتهاء الحرب، أخدة الإمبراطورية الفرنسية تتلاشى شيئا فشيئا في أطرافها البعيدة، وبدت علامات الوهن واضحة على بنيانها الاستعماري المترامي. ووفقاً لتقرير عسكري صادر في شهر أبريل من سنة 1947، باتت فرنسا تخشى مغبة أمور عدة تتجلى في: تصاعد السخط في أوساط الجنود الاستعماريين العائدين من الجبهات—خاصة ونفوسهم قد امتلأت بروح مناهضة الاستعمار وبالصلات التي نسجوها مع جنود آخرين في الوطن الأم—واشتداد المقاومة المسلحة في شمال إفريقيا المُطالِبة بجلاء المُعمِّر، والمدعومة بسخاء من الدول العربية الشقيقة—ولاسيما لبنان ومصر وسوريا والعراق وليبيا—وكذا اندلاع انتفاضات كبرى في مدغشقر وجنوب شرق آسيا (أو، الهند-الصينية، كما كانت تعرف آنذاك). وبالنظر إل الاضطرابات التي كانت تعصف ببلاد الشام،[2] وما كانت تشهده منطقة شمال إفريقيا ومدغشقر وجنوب شرق آسيا من اضطرام، وبعد أن فقدت فرنسا بلاد الشام بشكل فعلي بحلول عام 1946، غدا الحفاظ على المستعمرات المتبقية في منطقة غرب إفريقيا "الفرنسية" أمرا مصيريا في المخيال الإمبراطوري الفرنسي. وفي خضم تلك المرحة الدقيقة من تاريخ العالم، انكب مفكرو
Pan-Africanism(أو، التيار الوحدوي الإفريقي) والمناهضون للاستعمار على مساءلة مفاهيم الهوية والانتماء بعمق وجرأة متزايدين: ماذا يعني أن يكون المرء إفريقيا أو عربيا؟ ما السبيل لإعادة النظر في الحدود الاعتباطية التي رسمها الاستعمار، ففرقت العربي عن الإفريقي، والأسود عن الأمازيغي، والمسلم عن المسيحي أو الوثني؟ وكيف يُمكن تمثل صورة "العربي" في المخيال الإفريقي في زمن أفول الامبراطوريات؟
ولئن كانت الدراسات الحديثة في العلاقات العربية الإفريقية قد انشغلت، ولأسباب وجيهة، ببحث قضايا العنصرية ضد السود، وممارسة الاستعباد، وكذا أنماط التشغيل القائم على التمييز العرقي في المجتمعات العربية، فإنها غالبًا ما أغفلت الوجه المقابل وهو الكيفية التي نظر بها المفكرون السود والأفارقة، عبر التاريخ، الى مفهوم "العربي" ذاته؟ ذلك أن معظم الأدبيات الأكاديمية المعاصرة في دراسات العرق بالشرق الأوسط انصرفت الى تحليل نظرة العرب الى الأفارقة—وخاصة فيما يتصل ببناء تصور للآخر على أسس عرقية، وبالطرائق التي تبنت بها النخب العربية مفهوم "البياض" سبيلا من أجل التماهي مع التراتبيات الاستعمارية والتقرب من دوائر السلطة الأوروبية.[3] غير أن الجانب الآخر الذي قلما حظي بما يستحقه من عناية وتأمل هو تصور مفكري التيار الافريقي والوحدويون الأفارقة لموقع العرب وشمال إفريقيا في نسيج الهوية الإفريقية الكبرى؟ لقد انخرط العديد من المفكرين، من على ضفتي الأطلسي، في سجالات فكرية محتدمة، لاسيما خلال حقبة ما بعد الاستعمار، حول ما إذا كان من الواجب ادراج شمال إفريقيا والعرب ضمن التصور الشمولي لإفريقيا.[4] بمعنى هل يمكن اعتبار شمال إفريقيا افريقية حقا، أم أن جوهرها عربي أو أمازيغي؟ هل يحق لها ان تنضوي في مشروع الوحدة الإفريقية، أم أنها تمثل منظومة حضارية وعرقية مُغايِرة؟ ثم، اليس من المشروع التساؤل عما إذا كان يحق اعتبار العرب الوافدين من خارج شمال إفريقيا، والذين ولدوا أو نشأوا في البلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، أفارقة بالمعنى الحقيقي؟
تتناول هذه الورقة البحثية الشاعر والمفكر والرئيس السينغالي الأول، "ليوبولد سيدار سنغور"، وبخاصة موقفه الاشكالي والمزدوج إزاء العرب ضمن رؤيته الشمولية للهوية الإفريقية. فهي تهتم بشكل خاص بالكيفية التي ضَمَّنَ بها المفكر مفهومي Arabité (أو العروبة) و Africanité (أو، الأفريقانية) في كتاباته، على نحو يجمع بين الإدماج والاستبعاد في آن واحد، بحيث أبقى الهوية العربية على هامش جوهر Négritude (أو، الزنوجية). ومن خلال المقارنة بين التزام سنغور النظري بمفهوم Métissage (أو، المزج الثقافي)، وبين ممارساته السياسية—كما تتجلى، على سبيل المثال، في استبعاده مُواطِني شمال إفريقيا والعرب من المشاركة في "المهرجان العالمي للفنون الزنجية"، الذي استضافته السنغال سنة 1966. وتضع هذه الدراسة ضمن إطار أوسع من النقاشات التي خاضها المفكرون الأفارقة خلال فترة ما بعد الاستعمار بخصوص موقع العرب وشمال إفريقيا في المتخيل الإفريقي. وهي بذلك تُساهم في إثراء الأدبيات الحديثة المتزايدة حول هذا الموضوع.[5] كما تربط هذه الدراسة مثل هذه الإشكاليات الفكرية بالواقع المادي المتمثل في الوجود التاريخي للجالية اللبنانية في السنغال، والتي كانت علاقاتها الوثيقة ب"سنغور" وبالنخبة السنغالية محط انتقاد، وفي نفس الوقت تحدت الافتراضات السائدة بشأن الفوارق العرقية المفترضة. لقد كانت بلاغة سنغور في الدعوة الى الشمول صادقة لكنها انتقائية، اذ خَوَّل لبعض الجماعات، مثل اللبنانيين، حق الانتماء، في حين تجاهل البُنى اللامتكافئة والتوترات الشعبية التي انتهت بتقوض مشروعه القائم على "التركيب الثقافي." ولا تزال رهانات هذه المسائل قائمة حتى اليوم. بحيث أن السنغال، وإن كانت غالبا ما تقدم بوصفها "أرض الترنغا" أو النموذج السامي للسلام والضيافة، فإن اللبنانيين لايزالون يُعتَبرُون نخبة "منغلقة" –(وإن كان هذا الانغلاق يعود اليهم، ولو جزئيا)، كما أن إرث سنغور كرجل دولة فرانكوفوني لا يزال يُلقِي بظِلاَلِه عليهم.
الزنوجية والعروبة عند سنغور
ولد سنغور عام 1906 (وتوفي عام 2001) في بلدة جوال لأسرة سِرِيرِيّة ثرية. بعد اتمامه لدراسته الابتدائية بالسنغال، سافر الى فرنسا من أجل متابعة دراسته، بداية بثانوية "لوي لوغران" ثم ب"جامعة السوربون"، حيث تمكن من أن يكون أول إفريقي ينال شهادة Aggregation (أو، التبريز) المرموقة في النحو الفرنسي سنة 1935، ما أهله للعمل بالتدريس في العاصمة الفرنسية، باريس.[6] ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939، خضع "سنغور" للتجنيد في الجيش الفرنسي ضمن الفوج الثالث للمشاة الاستعماريين، برتبة جندي من الدرجة الثانية، رغم مؤهلاته العليا، وذلك بفعل سياسة فرنسا الاستعمارية التي لم تكن تسمح للأفارقة بتولي المناصب العليا في صفوف الجيش الفرنسي.[7] وفي يونيو 1940، وقع "سنغور" أسيرا في أيدي الجيش الألماني، شأنه في ذلك شأن العديد من الجنود الرُّماة السنغاليين، فاحتُجِز في عدة معسكرات قبل أن يتم نقله الى "فرونت ستالاغ 230" في مدينة "بواتييه،" وهو معسكر عمل وضع خصِّيصًا للجنود القادمين من المستعمرات الفرنسية.[8] أُفرِج عن "سنغور" لأسباب صحية ونقل الى باريس التي كانت آنذاك خاضعة لسلطة حكومة "فيشي"، حيث استأنف عمله معلما في إحدى ضواحي العاصمة.[9]
أثناء إقامته في باريس خلال ثلاثينيات القرن الماضي، تعرف "سنغور" على المفكرين الفرنسيين من الأصول الكاريبية، "إيمي سيزير" و"ليون غونتران داماس"، الذي أسس معهم لاحقا حركة Négritude (أو، الزنوجة). وللتذكير، كانت الزنوجة ركيزة أساسية في الحركات المُناهِضة للاستعمار وفي الفكر الوحدوي الإفريقي، إذ سعت الى استعادة الهوية والثقافة الزنجية من سرديات الاستعمار المهيمنة، مُرَكِّزة على القيم والثقافات والتقاليد المشتركة لشعوب الشتات الإفريقي عبر العالم.[10] وقد عملت الحركة على استكشاف العلاقات بين العرق والثقافة الوطنية والمواطنة، في إطار النزعة الإنسانية الاستعمارية الفرنسية.
كان "سنغور" يرى بأن مستقبل إفريقيا يكمن في تحقيق توازن بين الزنوجة والتصنيع، داعيا الى خلق مزيج ثقافي واندماج سياسي يزاوج بين الهوية الإفريقية الأصيلة والحداثة الغربية. وكان شعاره الشهير: "المسألة هي في أن نَسْتَوعِب، لا أن نُسْتَوعَب." وكان يؤمن بأن "ما يقدمه الإنسان الأسود للحضارة الأوروبية والعالمية" يسهم في خلق ثقافة كونية هجينة تمحو التقابلات المتصورة بين الحداثة الغربية والثقافة الإفريقية.[11]
ما من شك أن حركة Négritude (أو، الزنوجة) قد استأثرت باهتمام علمي واسع، الا أن تصور ليوبولد سيدار سنغور للعرب ومفهوم Arabité (أو، العروبة) لديه لم ينل حظه الوافي من الدراسة، على الرغم من مركزيته في فكره. ويشي هذا التجاهل بمَيلِ البحث الأكاديمي إلى التركيز على العلاقة بين المتروبول الاستعماري والمستعمرات، على حساب التفاعلات العابرة للحدود الاستعمارية.[12] وكان "سنغور" يعتقد بأن Africanité (أو، الأفريقانية) وArabité (أو، العروبة) وجهان متكاملان لحقيقة حضارية واحدة. ولطالما عرَّف سنغور الأفريقانية بوصفها: "التآزر التكاملي ما بين قيم العروبة وقيم الزنوجة"،[13] مضيفا بقوله: "إلى جانب الحضارة الإفريقية بوجهيها الزنجي والأمازيغي-العربي، فلقد دأبنا على تدريس كل الحضارات الكبرى الأخرى: الأوروبية، والأمريكية، والصينية، والهندية، والمسيحية، والإسلامية، واليهودية، وغيرها، على قدم المساواة."[14]
وبحسب "سنغور"، وفضلا عما للحضارتين الافريقية والعربية من تداخل واتصال وثيق، فإنهما يتميزان بقدر وافر من الاستقلالية والتميز. ولهذا:
"وجب عدم الخلط بين العروبة والزنوجة؛ فثمة عروبة يتولى العرب الذود عنها والسمو بها، وقد أبدع العرب في ذلك. فجامعة الدول العربية تعقد دوراتها بانتظام لتنظر في السياسات الثقافية. واسوة بهم يتعين علينا نحن الزنوج—أفارقة ومهجرين—أن نباشر التعريف بالزنوجة والدفاع عنها ... وكان هذا أمر لابد منه، لأن الحضارة الزنجية والثقافة الزنجية بل الزنوجة ذاتها شأن داخلي يخص الزنوج وحدهم. والواقع أن معضلة التعاون الثقافي العربي الإفريقي لن تجد طريقها للحل مالم نطرح هذه المسائل طرحا صريحا ومباشرا."[15]
وعلى صعيد آخر، حَمَّل "سنغور" الأوروبيين مسؤولية نشر التصورات العنصرية التي تمثل العرب على أنهم تجار رقيق ينظرون للسود نظرة دونية محُمَّلة بالازدراء. وردا على مثل تلك الصور النمطية، أكد "سنغور" على تشارك العرب والأفارقة في
"روح التضامن العميق، سواء كانوا عربا، أو أمازيغًا، أم زنوجا أفارقة. والسنغال خير مثال لذلك التآلف. ففي بلادنا يعيش عشرون ألف من اللبنانيين والسوريين، حصل نصفهم على الجنسية السينغالية. ولدينا، فضلا عن ذلك، مئة وخمسون ألف مواطن موريتاني يمتلكون متاجر صغيرة تتواجد حتى في القرى السينغالية النائية. ويُمثل الأجانب عشرون في المئة من ساكنة السنغال، ومع ذلك فإنا بلادنا لم تشهد أي صراع عرقي، ناهيك عن حالات التطهير الاثني."[16]
بل ذهب "سنغور" الى أبعد من ذلك، إذ لم يسبق له أن اعتبر الثقافة العربية الأمازيغية ثقافة دخيلة على القارة الإفريقية، بل عدَّها جزءا لا يتجزأ من نسيجها الحضاري وروحها الثقافية. هذا وفي معرض خطاب كان قد ألقاه بجامعة الجزائر سنة 1969، أعاد "سنغور" التأكيد على أن "العروبة" عنصر أصيل من عناصر التراث الإفريقي، قائلا: "أننا نشجع ونعمل على تنظيم تدريس اللغة العربية وحضارتها تنظيما علميا في جامعة داكار. لأن العروبة مكون من مكونات التراث الثقافي الإفريقي."[17] وفي إطار رؤيته النظرية، رفض "سنغور" المساعي الاستعمارية الرامية إلى رسم حدود عرقية فاصلة عبر الصحراء، وشدد التأكيد على الاستمرارية التاريخية بين الحضارتين العربية والإفريقية—وان كانت ذات طابع جوهري. ومع ذلك فإن تفعيل هذه الرؤية على أرض الواقع اتسم في بعض الأحيان بالتناقض والنزعة الاقصائية.
وكانت أبرز تجليات هذا التذبذب قرار الحكومية السينغالية استبعاد العرب وشعوب شمال إفريقيا من المشاركة في FESMAN (أو،"المهرجان العالمي للفنون الزنجية") الذي نُظِّم بداكار سنة 1966. وسرعان ما أصبح هذا القرار محط خلاف وجدل بين تصور "سنغور" للزنوجة، والرؤى التحررية الثورية التي تبناها كل من "فرانز فانون" و "الشيخ أنتا ديوب." وهكذا، يرى "فانون" بأن تركيز حركة الزنوجة على الاعتزاز الثقافي لا يرقى الى مستوى الفعل السياسي، لأنه خليق بأن يطمس البنى العميقة للامساواة الطبقية، ويتيح للبورجوازية الوطنية فرصة التخفي وراء قناع الفخر العرقي.[18] ولئن كان "فانون" قد أقر بالأثر النفسي الإيجابي لاستعادة الهوية الزنجية، إلا أنه رفض ما اعتبره تمسكا غير مُجد بماضي أسطوري لا تاريخي. أما ديوب، الخصم السياسي لسنغور والمؤرخ البارز لفترة ما بعد الاستعمار، فقد وجه نقدا لاذعا للتقسيم الحضاري للقارة الإفريقية، مؤكدا بأن مصر القديمة كانت مهد الحضارة الإفريقية الزنجية، وأن الفصل بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء ليس سواء بناء استعماري مصطنع.[19]
بلغت التوترات بين هذه الرؤى المتنافسة ذروتها خلال الدورة الثانية من FESTAC 77 (أو، "المهرجان العالمي للفنون والثقافة الزنجية والأفريقية") الذي نظم ب "لاغوس". خلال المهرجان أصر سنغور بأن تقتصر مشاركة بلدان شمال إفريقيا على صفة "المراقب"[20] وهو ما اعتُبر نوعا من "الوصاية العرقية." وتفاوتت ردود الفعل على الموقف السينغالي من حيث حِدَّتِها، بحيث وصلت الى جد اتهام أصحابه ب "العنصرية في أبشع صورها،" مما وجه ضربة موجعة الى سمعة "سنغور" الدولية.[21] والواقع ان هذا الصِّدام لا يُمكن فهمه بمعزل عن "مهرجان الثقافة الإفريقية الأول" الذي عُقد بالجزائر سنة 1969، حيث تعرضت Négritude (أو، حركة الزنوجة) لهجوم عنيف من قِبَلِ المثقفين الفانونيين والماركسيين، الذين رأوا فيها نزعة جوهرانية رجعية.[22] حري بالذكر أن القائمين على مجلة "أنفاس" التي نشأت بالمغرب خلال ستينيات القرن الماضي، قد رفضت ومنذ الوهلة الأولى مفهوم الزنوجة، معتبرة إياه مفهوما برجوازيا مُتواطئا مع النزعات الاستعمارية الجديدة. وهكذا كتب الشاعر الهايتي، "رينيه ديبستغ"، في مجلة "أنفاس" سنة 1968، منتقدا النزعة الثقافوية لدى "سنغور"، لأنها، في رأيه، كانت تتجاهل الصراع الطبقي، واصفا إياها بأنها خليقة بأن تُفضي إلى "صهيونية سوداء لا تُحُتمَل."[23] ومع ذلك، فإن موقف "سنغور" خلال فعاليات مهرجان لاغوس لم يكن مجرد تعبير عن نزعة عنصرية بقدر ما كان رد فعل على التهميش الإيديولوجي الذي طاله في السابق.[24] لهذا كان سعيه الى استبعاد شمال إفريقيا من التأثير في الخطاب الثقافي للمهرجان محاولة منه لإعادة تأكيد مركزية الزنوجة في مشهد عموم-إفريقي ثقافي متحول وسريع التطور.
غير أن مواقف سنغور عرفت تحولا ملحوظا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، إذ أفسح نهجه الدفاعي القديم المجال لرؤية أكثر شمولية وانفتاحا. وكما بَيّنَ هشام عيدي، فقد أصبح سنغور شخصية محورية في "المنتدى الثقافي الإفريقي العربي" بمدينة أصيلة المغربية، وهم منتدى سعى الى ترسيخ حوار إفريقي-عربي يتجاوز الفوارق اللغوية والدينية والجغرافية.[25] بأصيلة، إذن، امتدح "سنغور" المغرب واصفا إياه ب"المرآة الحضارية" للسنغال، كما صاغ مفهوم Arabité (أو، العروبة) بوصفه عنصرا مكونا ومكملالمفهومAfricanité (أو، الأفريقانية). وقد جسدت صداقته مع الملك الحسن الثاني ومشاركته في الدبلوماسية الثقافية تحولا استراتيجيا في اتجاه احتضان الهوية العربية، لا بوصفها خيارا ثقافيا داخليا فحسب، بل باعتبارها جزءا لا يتجزأ من التراث الإفريقي-المتوسطي المشترك.[26] وبحلول الثمانينيات، وجد كثير من النقاد السابقين—ومنهم "ديبيستر نفسه"—ضمن الشخصيات التي تحظى بالتكريم في منتديات أصيلة الثقافية الإفريقية، التي كان "سنغور" يترأس فعالياتها. وفي هذه المفارقة تتجلى ملامح نجاح سنغور الهادئ في أواخر مسيرته: إذ استطاع إعادة صياغة الزنوجة لا بوصفها عقيدة عرقية إقصائية، بل كمشروع حضاري إنساني قادر على استيعاب العروبة والأمازيغية وحتى الاختلاف ذاته.
اللبنانيون في السينغال
لعل ابلغ مظهر من تصور "ليوبولد سيدار سنغور" لفكرة Métissage Culturel (أو، الامتزاج الثقافي) يتجلى في علاقته الوثيقة والمتجذرة بالجالية اللبنانية في السينغال. ففيما كان كثير من السينغاليين يعتبرون اللبنانيين أناس غرباء عن البنية الاقتصادية الوطنية، أو أقلية سمتها الثراء والحظوة، كان "سنغور" يعتبر اللبنانيين مكونا أصيلا من النسيج الاجتماعي والوطني للبلاد. ولم يكن دفاعه عنهم، في جوهره، مجرد مناورة سياسية ظرفية (على الرغم من أن بعض النقاد قد لمحوا فيه شيئا من البراغماتية السياسية)، بل كان تعبيرا منسجما مع رؤيته الكونية الشاملة ومثله الإنسانية العليا. وحتى حينما اعتلى "سنغور" سدة الرئاسة، كان اللبنانيون قد غدوا عنصرا راسخا في شبكات التجارة والسياسة سواء في السينغال نفسها أم في فضاء إفريقيا الغربية الفرنسية بأسره. ويرجع تاريخ تواجدهم بالسينغال إلى أواخر القرن التاسع عشر، وقد ازداد عددهم واتسع نفوذهم خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، ولا سيما في فترة ما بين الحربين العالميتين. وكان معظمهم ينحدر من الطائفة الشيعية في جبل عامر بجنوب لبنان، وهي منطقة لطالما عانت من التهميش والإقصاء داخل التركيبة الطائفية اللبنانية، فوجد أبناؤها في غرب إفريقيا مجالا رحبا للترقي الاجتماعي والاقتصادي، لم يكن متاحا لهم في وطنهم الأم. وبوصفهم من رعايا الإمبراطورية الفرنسية، تمكنوا من التنقل بحرية بين أقاليمها، فأستقر كثير منهم في مدن وبلديات مثل "داكار"، و"كاولاك"، و"كانكان"، حيث امتهنوا التجارة والوساطة التجارية.[27] وبحلول ستينيات القرن العشرين، بلغ عدد اللبنانيين في غرب إفريقيا قرابة عشرين ألف نسمة،[28] في حين يناهز عددهم اليوم نصف مليون، موزعين على دول عدة منها ساحل العاج والسنغال وغينيا ومالي وليبريا وغانا ونيجيريا، فضلا عن وجودهم في مختلف دول غرب افريقيا ما بعد الاستقلال.
وتجدر الإشارة بأن الشيعة في لبنان كانوا يُستبعَدُون من الامتيازات التي ظلت حِكْرا على "الموارنة" ضمن منظومة السلطة الطائفية، أما في غرب إفريقيا، فقد حظي اللبنانيون بمعاملة تفضيلية نسبية مقارنة مع السكان الأفارقة، وإن ظلوا موضع ريبة في نظر السلطات الفرنسية. ولطالما تم تمثيلهم في الخطاب الاستعماري على أنهم ناقلوا أوبئة أو منافسون شرسون، غير أنهم تمكنوا من النفاذ الى رؤوس الأموال عن طريق المصارف الأوروبية، الأمر الذي أتاح لهم إقراض المزارعين المحليين بفوائد مرتفعة، ثم التوسع في ميادين العقارات والتجارة بالتجزئة في داكار. وقد أسهم هذا الحضور الاقتصادي البارز، وما اتسم به من دور الوساطة بين المُستعمِر والمُستعمَر، في تغذية التوترات مع السينغاليين من جهة، ومع الفرنسيين، من جهة أخرى.[29]
وبنهاية الحرب العالمية الثانية، أمسى المهاجرون اللبنانيون يُمثِّلُون البلد الذي قرر قطع صلاته بفرنسا، ذلك لأن لبنان نالت استقلالها الرسمي سنة 1943، فكان أن تعرض اللبنانيون في المستعمران الإفريقية لهجمات عنصرية شرسة شنَّها المُستوطنون الفرنسيون، كما فقدوا الامتيازات التجارية والمصرفية التي كانوا يتمتعون بها في السابق، بالمقارنة مع نظرائهم في إفريقيا الغربية. وخلال العقود الممتدة من أواخر الأربعينيات الى ستينيات القرن العشرين، دأب اللبنانيون على الاعتماد على النخبة السياسية في داكار لصون مصالحهم، وكان في طليعة هذه النخبة "ليوبولد سيدار سنغور"، و"لامين غي"، و"لامين أمادو ديالو"، و"مامادو ديا". ومع تشديد الإدارة الفرنسية قيودها على أنشطة اللبنانيين، وتعسير حصولهم على خطوط الائتمان من المصارف الأوروبية، أخذت الشكوك الفرنسية تتزايد إزاء ما نشأ من تعاون وصلات اقتصادية وإنسانية بين السينغاليين واللبنانيين إبان مرحة تصفية الاستعمار.[30]
خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1946 و 1960، تعرض اللبنانيون-السوريون لهجمات متكررة شنها ما صار يُعرف في الخطاب الاستعماري ب Petits blancs (أي، المستوطنين الفرنسيين من الطبقات العاملة الدنيا) الذين مارسوا ضغوطات شديدة على الإدارة الاستعمارية الفرنسية لحملها عل فرض قيود متعددة من أجل الحد من أنشطة الجالية اللبنانية.[31] وقد شملت تلك القيود الحد من الاتجار في الفول السوداني، وتحديد حصص منح رخص للوكلاء التجاريين، وفرض ضوابط صارمة على حجم التحويلات المالية إلى لبنان وتواترها، فضلا عن التلويح الدائم بالطرد من البلاد.[32] وبالموازاة مع ذلك، أُوقِف الكثير من اللبنانيين وسُحِبت بطاقتهم الأجنبية، وتَعرَّض بعضهم للضرب والإهانة، كما سُجِّلت حوادث عديدة لاعتقالات تعسفية وتجاوزات من الشرطة الفرنسية بحقهم.[33]
قاد تلك الحملة المعادية للبنانيين المستوطن الفرنسي والصحفي Maurice Voisin (موريس فوازان)، الذي أنشأ صحيفة أسبوعية حملت عنوان Les Échos Africains (أو، أصداء إفريقية)، سنة 1947، ثم أسس لاحقا منظمة تدعى Les Amis de Petit Jules (أو، أصدقاء الصغير جول)، قبل أن يطلق في سنة 1954 تنظيما جديدا باسم Défense de l’Afrique Française (أو، الدفاع عن إفريقيا الفرنسية).[34] وقد أطلق اللبنانيون على حملته هاته اسم La Campagne Mauvoisin (أو، حملة موفوازان). استخدم "فوازان" صحيفته لبث خطاب عنصري لاذع ضد اللبنانيين في غرب إفريقيا الفرنسية، فوصفهم بأنهم "عرق أصفر" ودعا إلى طرد "اللبنانيين المذمومين" الذين اعتادوا، بحسب ادعائه، على "خداع الأفارقة بأساليبهم غير الأخلاقية."[35] ونعتهم في مقالاته ب "أناس غير شرفاء" و"الأجانب" و"الساميين" و"الطفيليين" الذين ينبغي التخلص منهم.[36] وفي الوقت الذي كان يحُقر فيه اللبنانيين، كان يتظاهر بالوصاية على الأفارقة وأدعى أنه وحده الكفيل بحمايتهم من "خداع" الوسطاء اللبنانيين "غير النزهاء" الذين، وكما زعم، كانوا شرا لابد منه لحمل الأوروبيين على القيام بعمل لا يرغبون في الاضطلاع به، ألا وهو التجارة في الأحراش.[37]
ازداد فوازان جرأة خلال خمسينيات القرن الماضي، فأنشأ تنظيم "الدفاع عن إفريقيا الفرنسية"، واستقطب عددا أكبر من الافارقة إلى حركته، كما فتح فروعا لها في "تايس" و"كاولاك"، وشرع في توزيع منشورات موقعة بأسماء أفارقة، لإظهار ما يحظى به من دعم في أوساط التجار والمزارعين السنغاليين، ولا سيما في المناطق الريفية.[38] وقد استغل فوازان دعم بعض اللبنانيين ل FLN (أو، جبهة التحرير الوطني الجزائرية) ضد الجنود-الرماة السينغاليين في الخمسينيات لاستمالة مزيد من الأنصار إلى حركته. ورغم أن تنظيم "الدفاع عن إفريقيا الفرنسية" كان مجرد حركة هامشية تضم ضمن مكوناتها عمال سكك حديدية فرنسيين من ذوي المهارات البسيطة، وبعض التجار والمزارعين السينغاليين، فإنه نجح في التأثير في السياسات الاستعمارية حيال اللبنانيين، وأثار ضجة واسعة في لبنان والسينغال، على حد سواء. ومما زاد من منسوب سخط اللبنانيين ما لمسوه من تهاون دولتهم الأم في الدفاع عنهم، على الرغم من واجبها، باعتبارها دولة مستقلة، فيما تعلق بحماية أبنائها المغتربين.[39] غير أن المدافعين الحقيقيين لم يكونوا في بيروت، بل في داكار، حيث هبَّ لنصرتهم سياسيون بارزون، أمثال "ليبولد سيدار سنغور"، و"لامين غي"، و"لامين ديالو"، و"مامادو ديا". وقد كان "لامين أمادو ديالو"، مؤسس Le Comité antiracist de vigilance républicaine (أو، "اللجنة المناهضة للعنصرية واليقظة الجمهورية") من أشد المناوئين لحملة "فوازان"، حيث كتب ردا لاذعا على حملته ضد اللبنانيين، جاء فيه:[40] "إنّ شريعة القرآن تحرّم على الشعوب الإسلامية أن تبقى ساكنةً أو غير مكترثة حيال المسألة اللبنانية-السورية، ولا سيّما إزاء الحلول التي تعتمد العنف، والتحزّب، والكراهية سبيلا --كما يُريد الزعماء غير المسلمين في تنظيمَي أصدقاء "الصغير جول" و"صدى إفريقيا" فرضها على الناس."[41]
وتجدر الإشارة هنا الى أن "مامادو ديا"، الذي سيشغل منصب أول رئيس للوزراء في حكومة سنغور، وكان آنذاك نائبا ب "الجمعية الوطنية الفرنسية" قد دافع عن اللبنانيين في وجه فوازان.[42] وكان "فوازان" قد كتب الى السيناتور "ديا"، يسأله مُستنكرا: "لماذا تدافع عن السوريين-الشرقيين؟ لماذا؟" وزعم "فوازان" بأن اللبنانيين-السوريين لا يستثمرون أموالهم في إفريقيا، ولا يساهمون في إنشاء بنى تحتية تُسخَّر لخدمة الأفارقة، ولا يعملون على "إخراج المُزارع الريفي من ظُلمات الجهل"،[43] كما اتّهَمَ نواباَ سنغاليين، ومنهم "ديا"، بتلقي أموال من اللبنانيين. ومهما يكن، لم يكن خافيا ما كان يجمع ما بين اللبنانيين والنخبة الداكارية من أواصر وثيقة ومصالح مشتركة: فكلا الفريقين كان ذا تعليم فرنسي عالي وثقافة مدينية متقاربة. كما كان العديد منهم يترَدَّدُون على فرنسا ويتقاسمون أذواقا ثقافية متشابهة. وكانت تربطهم صداقات متينة، أيضا. ولنضرب مثلا بهذا الصدد: كان التاجر علي أسعد، من كبار وأشهر التجار بداكار، بحيث داع صيته خلال الحرب العالمية الثانية. وباعتباره من أعز الأصدقاء ل"لامين غي،"[44] فإنه عرض، بمعية أفراد الجالية اللبنانية، بناء مدرسة بكاملها تكريما ل "غي" وتقديرا لموقفه الداعم للجالية إبان ولايته كرئيس لبلدية داكار.[45]
ولعل أخلص المدافعين عن اللبنانيين في إفريقيا الغربية الفرنسية (ولاسيما في داكار والسينغال، عموما) كان الرئيس والشاعر "ليوبولد سيدار ستغور" نفسه. فخلال شهر أكتوبر من سنة 1954، على سبيل المثال، كتب مقالا بليغا دافع فيه عن اللبنانيين ونشره بجريدة Les Echos de Kaolack (أو، أصداء كولاك) جاء فيه: "لا يخفى عليكم، يا معشر السينغاليين، بأن اللبنانيين مسلمون مثلكم؛ أترضون إذن بإخراجهم من ديارهم بوطنهم هذا؟ ثم لماذا لا يتحدث "فوازان" عن الشركات التجارية مثل CFAO والنيجر الفرنسي، التي تعود رؤوس أموالها الى الخارج؟ أولئك هم الغرباء حقا، أما اللبنانيون فهم إخوتكم."[46]
ولئن كان "سنغور" في حقيقة الأمر كاثوليكي العقيدة، فإنه كان دائما يستحضر رابطة الأمة الإسلامية التي تجمع بين اللبنانيين والسينغاليين، اسوة بما كان يفعله مواطنه، "لامين أمادو ديالو" وغيره. ولم يفتأ "سنغور" يؤكد في خطاباته وتصريحاته بأن اللبنانيين والسينغاليين إخوة، وأنهم مكون أساسي من النسيج الثقافي السنغالي. والملاحظ هنا أن هذه الرؤية في اتساق تام مع إيمان "سنغور" العميق بالإنسانية الكونية التي شكلت حجر الزاوية لفكره الفلسفي والأدبي.
وعلى هذا الأساس، لا يُستَغرَبُ أن تكون علاقات "سنغور" باللبنانيين في السينغال، بل وبلبنان ذاته، على غاية من الود والصفاء.[47] وبالموازاة مع ذلك، اشتهرت أسرة "بورجي" اللبنانية بدورها البارز في المشهد السياسي السينغالي إبان مرحلة ما قبل الاستقلال. وكان "عبد الكريم بورجي" قد حل بالسينغال سنة 1927، والتقى "سنغور" بمدينة كاولاك سنة 1947، خلال الاجتماع الافتتاحي لتأسيس حزب Bloc Démocratique Sénégalais (أو، الكتلة الديموقراطية السينغالية)،[48] وهناك تعرف أيضا على كبار رجالات الحزب، أمثال "أليون بادارا مبينغ" و "ع. سيسيه ديا" و"باسيرو بالي". وضع "بورجي" قاعة السينما التي كان يملكها بداكار تحت تصرف الحزب لعقد مؤتمره الأول سنة 1950، كما حضر فعالياته برفقة ابنه "رامز".[49] غير أن هذا التقارب بين "سنغور" واللبنانيين أثار حفيظة "فوازان" الذي سارع الى اتهام "سنغور" و"مامادو ديا" وسائر قادة الحزب بتلقي تبرعات تقدر بأربعين مليون فرنك من أبناء الجالية اللبنانية.[50] هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان العديد من اللبنانيين يمتلكون أساطيل من الشاحنات التجارية تربط الأرياف بالمدن الكبرى، وكانوا يعيرونها لقادة الحزب لتيسير حملاتهم الانتخابية في المناطق النائية من البلاد.[51] أما الصداقة التي كانت تجمع ما بين "عبد الكريم بورجي" و"سيدار سنغور" فكانت مثالا يُحتذى به في الود والوفاء، فلم يكن سنغور يغادر البلاد أو يعود إليها إلا وجد "بورجي" في انتظاره بمطار داكار-يوف لوداعه أو استقباله. وكان "بورجي" أول لبناني يحصل على الجنسية السنغالية سنة 1961، تلتها العديد من الأوسمة والتكريمات حظي بها في كل من السنغال ولبنان.[52] لم تقتصر علاقات "بورجي" الرفيعة على الزعماء السياسيين فحسب، بل امتدت لتشمل الطريقتين الصوفيتين الأشهر بالسينغال، ألا وهي المُرِيدية والتِّيجَانية، وشيوخها الكبار أمثال الخليفة المريدي، الشيخ "محمد فاليلو مبكه"، والزعيمين التجانيين، "الشيخ عبد العزيز سي" و"الحاج تيرنو سيدو نورو تال."[53]
لم ترتقي علاقة عامة الناس باللبنانيين إلى مستوى العلاقة الودية التي جمعت "سنغور" بهم، بل كان الواقع خلاف ذلك. ففيما نسجت النخب والقيادات اللبنانية والسنغالية عرى وثيقة فيما بينها، لم يكن أبناء السنغال من عامة الشعب ينظرون الى اللبنانيين دائما نظرة ود أو استحسان. والأدهى أن العلاقة الحميمة التي جمعت "سنغور" بالنخبة التجارية اللبنانية في داكار، على الخصوص، عززت الاعتقاد لدى الكثير من الناس بأن حركة "الزنوجة،" بانفتاحها على العروبة و"الانتماء العربي"، لم تكن مشروعا وطنيا شاملا بقدر ما كانت مسعى فكريا نخبويا تحمله برجوازية فرانكوفونية الهوى والنزعة. وهكذا، في الصالونات الثقافية المغربية كما في الدوائر التجارية للجالية اللبنانية بالسينغال، فإن الرأي القائل بأن تعددية "سنغور" كانت أقرب الى الخطاب البلاغي منه إلى الفعل، والى الرمزية أكثر منها إلى إعادة توزيع حقيقية للسلطة والمكانة، قد اكتسب وجاهة لم تعد تخفى على أحد.
وبهذا، غدت علاقة "سنغور" ب"العروبة" وبالجالية اللبنانية في السينغال مثالا بليغا يجسد في نفس الآن الآفاق الواعدة لفكرة الامتزاج الثقافي والمكامن الجلية لمحدوديتها. فكثيرا ما كان خطابه يتناقض مع ممُارسَاتِه الميالة للإقصاء. ثُم إن إغفاله للبنى الطبقية أدى الى تنامي الشعور لدى الكثير من السينغاليين بالتهميش، بل وبالاستبعاد[54] من رحاب الرؤية الوطنية التي كان "سنغور" قد بشر بها.
إن التناقضات التي انطوت عليها فكرته—بين الكنه العرقي والنزعة الإنسانية الكونية، من جهة، وبين الدبلوماسية الثقافية والاقصاء السياسي—لتُعبِّرُ بحق عن جوهر ما يَعْتمِل في سجالات الهُوية خلال فترة ما بعد الاستعمار، بما ينطوي عليه ذلك من التباس وتشابك واستمرارية لا تنتهي. كما أنها تذكرنا بأن التشابكات الأفرو-عربية، كسائر مشاريع بناء الهوية، ليست بالثابتة أو المكتملة، بل هي سيرورة دائمة الحركة، لا تخلو من توتر وصراع. وعليه، فإن استيعاب إرث "سنغور" يقتضي المجازفة باقتحام التضاريس الوعرة لمختلف التقاطعات الأفرو-عربية، حيث يتجاور التضامن بالتراتبية، والانفتاح بالحدود، والعرق بالطبقية، في فضاء تاريخي واحد يتجدد على الدوام، وتُعاد صِياغَتُه وتأويلُه في كل عصر من العصور.